أشرق نور الصواب. الحوادث الممضّة مكسبة لحظوظ جزيلة من صواب مدّخر، وتطهير من ذنب، وتنبيه من غفلة، وتعريف بقدر النعمة، ومرون على مقارعة الدهر.
ومثل هذا الفصل محفوظ عن ذي الرياستين، قاله بعقب علّة فأغار عليه ابن المعتز.
وكتب إلى أحمد بن محمد جوابا عن كتاب استزاده فيه: قيّد نعمتي عندك بما كنت استدعيتها به، وذبّ عنها أسباب سوء الظنّ، واستدم ما تحبّ مني بما أحبّ منك.
وكتب إليه: والله لا قابل إحسانك مني كفر، ولا تبع إحساني إليك منّ، ولك عندي يد لا أقبضها عن نفعك، وأخرى لا أبسطها إلى ظلمك، فتجنّب ما يسخطني فإني أصون وجهك عن ذلّ الاعتذار.
وكان أحمد بن سعيد يؤدّبه فتحمل البلاذري على قبيحة أم ابن المعتز بقوم سألوا أن تأذن له أن يدخل إلى ابن المعتز وقتا من النهار، فأجابت أو كادت تجيب، قال ابن سعيد:
فلمّا اتصل الخبر بي جلست في منزلي غضبان لما بلغني عنها، فكتب إليّ ابن المعتز وله ثلاث عشرة سنة: [البسيط]
أصبحت يا ابن سعيد خدن مكرمة ... عنها يقصّر من يخفى وينتعل [1]
سربلتني حكمة قد هذّبت شيمي ... وأجّجت نار ذهني فهي تشتعل
أكون إن شئت قسّا في خطابته ... أو حارثا وهو يوم الحفل مرتجل
وان أشأ فكر زيد في فرائضه ... أو مثل نعمان لما ضاقت الحيل
أو الخليل عروضيّا أخا فطن ... أو الكسائيّ نحويّا له علل
تعلو بداهة ذهني في مراكبها ... كمثل ما عرفت آبائي الأول
وفي فمي صارم ما سلّه أحد ... من غمده فدرى ما العيش والجذل
عقباك شكر طويل لا نفاد له ... يبقى بجدّته ما أطّت الإبل [2]
وقسّ الذي ذكر: هو قسّ بن ساعدة الإيادي، وقد سمع النبيّ، صلّى الله عليه وسلم، شعره، وعجب منه.
وحارث: هو الحارث بن حلّزة اليشكري، وصف ارتجاله يوم فخره بقصيدته التي أنشدها بحضرة عمرو بن هند التي أولها: [الخفيف]
آذنتنا ببينها أسماء ... ربّ ثاو يملّ منه الثّواء
(1) الخدن: الصاحب. القاموس المحيط (خدن) .
(2) أطّت الإبل: أنّت تعبا أو حنينا. القاموس المحيط (اطط) .