فإن تنكري مني احولالا فإنني ... أديب أريب لا عييّ ولا فدم [1]
[فاتصل بها الشعر] ، فكتبت إلي: إنّا لم نرد أن نولّيك ديوان الزمام!
وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كتب إلى عدي بن أرطاة [2] : إن قبلك رجلين من مزينة يعني بكر بن عبد الله، وإياس بن معاوية [3] فولّ أحدهما قضاء البصرة فأحضرهما، فقال بكر: والله ما أحسن القضاء فإن كنت صادقا فما تحلّ توليتي، وإن كنت كاذبا فذلك أوجب لتركي، فقال إياس: إنكم وقفتموه على شفير جهنّم، فافتدى منها بيمين يكفرها، ويستغفر الله تعالى منها، فقال له عديّ: أما إذا اهتديت لها فأنت أحقّ بها، فولّاه.
ودخل إياس الشام وهو غلام صغير، فقدّم خصما له إلى بعض القضاة، وكان الخصم شيخا، فصال عليه إياس بالكلام، فقال له القاضي: خفّض عليك، فإنه شيخ كبير، قال: الحقّ أكبر منه، قال: اسكت! قال: فمن ينطق بحجّتي؟ قال: ما أراك تقول حقا، قال: لا إله إلّا الله! فدخل القاضي على عبد الملك فأخبره فقال: اقض حاجته الساعة وأخرجه من الشام لا يفسد أهلها!
وقال أحمد بن الطيب السّرخسي [4] تلميذ يعقوب بن إسحاق الكندي [5] : كنت يوما عند العباس بن خالد، وكان ممن حبّب الله إليه أن يتحدّث، فأخذ يحدّثني، ويتنقل من حديث إلى حديث، وكنّا في صحن له، فلمّا بلغتنا الشمس انتقلنا إلى موضع آخر، حتى صار الظلّ فيئا فلمّا أكثر وأضجر، ومللت حسن الأدب في حسن الاستماع، وذكرت قول الأوزاعي: إن حسن الاستماع قوة للمحدث، قلت له: إذا كنت وأنا أسمع قد عييت ممّا لا كلفة عليّ فيه، فكيف أراك وأنت المتكلم؟ فقال: إنّ الكلام يحلّل الفضول اللّزجة
(1) الفدم: العيّ عن الكلام. لسان العرب (فدم) .
(2) عدي بن أرطأة: أمير من أهل دمشق، ولّاه عمر بن عبد العزيز على البصرة سنة 99هـ، فاستمرّ إلى أن قتله معاوية بن يزيد بن المهلب سنة 102هـ. الأعلام (ج 4ص 219) .
(3) إياس بن معاوية: قاضي البصرة، يضرب المثل بذكائه، ويعرف بالقاضي إياس. توفي سنة 122هـ.
وفيات الأعيان (ج 1ص 247) والأعلام (ج 2ص 33) .
(4) هو أحمد بن محمد بن مروان بن الطيب السرخسي فيلسوف غزير العلم بالتاريخ والسياسة والأدب والفنون. توفي سنة 286هـ. معجم الأدباء (ج 1ص 391) والأعلام (ج 1ص 205) .
(5) يعقوب بن إسحاق الكندي: فيلسوف العرب والإسلام في عصره، وأحد أبناء الملوك من كندة من أعرف الناس بالطب والفلسفة والموسيقى والهندسة والفلك، توفي سنة 260هـ. ترجمته في عيون الأنباء (ص 285) ومعجم الشعراء (ص 507) والأعلام (ج 8ص 195)