ونعتب أحيانا عليه ولو مضى ... لكنّا على الباقي من الناس أعتبا [1]
قال الصولي: جرى ذكر المكتفي بحضرة الراضي فأطريته وأكثرت الثناء عليه، فقال لي: يا صولي، كنت أنشدتني لجرير: [الطويل]
أسلّيك عن زيد لتسلى، وقد أرى ... بعينيك من زيد قذى ليس يبرح
فقلت: يا أمير المؤمنين، من شكر القليل كان للكثير أشدّ شكرا، وأعظم ذكرا، فأين أنا لك من المكتفي؟ فأنشدته للطائي [2] : [الكامل]
كم من وساع الجود عندي والنّدى ... لمّا جرى وجريت كان قطوفا [3]
أحسنتما صفدي، ولكن كنت لي ... مثل الربيع حيّا وكان خريفا [4]
وكلاكما اقتعد العلا فركبتها ... في الذّروة العليا وجاء رديفا [5]
إن غاض ماء الزن فضت، وإن قست ... كبد الزمان عليّ كنت رؤوفا [6]
وكان المكتفي أول من نادمه الصولي، واختلط به.
ولم يل الخلافة أحد اسمه عليّ إلّا عليّ بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، وعليّ بن المعتضد المكتفي بالله، وكان سبب اتصاله به وانقطاعه إليه أنّ رجلا يعرف بمحمد بن أحمد الماوردي نزع إلى المكتفي بالرّفة، وكان ألعب الناس بالشطرنج، فلمّا قدم عليه بغداد وهو خليفة قال: يا أمير المؤمنين، أنا أعلم الناس بهذه الصناعة، فأقطعني ما كان للرازي الشطرنجي فغاظ ذلك المكتفي، وندب له الصولي فلم ير معه الماوردي شيئا. فقال له المكتفي: صار ماء وردك بولا، قال الصولي: فأقبل المكتفي عليّ ورتّبني في الجلساء، فحجبت يوما عنه، واتصل بي أن خصمي شمّت بي، فكتبت قصيدة للمكتفي أقول فيها: [الكامل]
قد ساء ظنّ الناس بي وتنكّروا ... لمّا رأوني دون غيري أحجب
إن كان غلبيه يقرّب أمره ... دوني فإني عن قريب أغلب
فضحك، وأمر لي بمائتي دينار، واندرجت في خدمته.
(1) نعتب عليه: ننكر منه شيئا من فعله. والأعتب: الأشدّ عتبا. محيط المحيط (عتب) .
(2) ديوان أبي تمام (ص 183) من قصيدة مدح.
(3) الوساع: الواسع. القطوف: الضيّق. لسان العرب (وسع) و (قطف) .
(4) الصّفد، بالفتح: العطاء. محيط المحيط (صفد) .
(5) الرديف: الراكب خلف الراكب. محيط المحيط (ردف) .
(6) في الديوان: «غاص» بدل «غاض» .