وإني لا أعرف موقفا أذلّ من موقفي، لولا أنّ المخاطبة فيه لك، ولا خطّة أدنى من خطّتي، لولا أنها في طلب رضاك.
وهذا المعنى الذي ذهب إليه من الرجوع إلى الرئيس بعد تجربة غيره قد أكثر الناس منه قديما وحديثا وسأفيض في طرف من ذلك:
وأنشد أبو عبيدة لزياد بن منقذ الحنظلي، وهو أخو [المرار العدوي، نسب إلى أمة العدوية، وهي فكيهة بنت تميم بن الدّول بن جبلة بن عدي بن] عبد مناة بن أد بن طابخة فولدت لمالك بن حنظلة عديّا ويربوعا فهؤلاء من ولده يقال لهم [بنو] العدوّية، وكان زياد نزل بصنعاء فاجتواها [1] ومنزله بنجد، فقال في ذلك قصيدة يقول فيها وذكر قومه:
[البسيط]
مخدّمون ثقال في مجالسهم ... وفي الرحال إذا صاحبتهم خدم [2]
لم ألق بعدهم حيّا فأخبرهم ... إلّا يزيدهم حبّا إليّ هم
[وأراه أول من استثار هذا المعنى.
وكان ابن أبي عرّادة السعدي مع سلم بن زياد بخراسان وكان له مكرما فتركه وصحب غيره فلم يحمد أمره، فرجع إليه، فقال: [الطويل]
عتبت على سلم فلمّا فقدته ... وجرّبت أقواما بكيت على سلم
رجعت إليه بعد تجريب غيره ... فكان كبرء بعد طول من السقم]
وقال مسلم بن الوليد: [الوافر]
حياتك يا ابن سعدان بن يحيى ... حياة للمكارم والمعالي
جلبت لك الثناء فجاء عفوا ... ونفس الشكر مطلقة العقال
وترجعني إليك وإن نأت بي ... دياري عنك تجربة الرجال
وأنشد أبو العباس محمد بن يزيد المبرد للبحتري [3] : [الطويل]
أخ لك عاداه الزمان فأصبحت ... مذممة فيما لديه المطالب
متى ما تذوّقه التجارب صاحبا ... من الناس تردده إليك التجارب
وأنشد: [الطويل]
حياة أبي العباس زين لقومه ... لكلّ امرىء قاسى الأمور وجرّبا
(1) اجتواها: كره المقام فيها وإن كان في نعمة. محيط المحيط (جوي) .
(2) مخدّمون: أي يخدمون من قبل الغير. ثقال في مجالسهم: كناية عن الحلم والثبات. لسان العرب (خدم) و (ثقل) .
(3) لم يرد البيتان في ديوان البحتري.