المنبر فجأة لافتضح فأمر رسولا فأخذ بيده فصعد به المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبي، صلى الله عليه سلم، ثم قال: إنّ لأمير المؤمنين أشباها أربعة: الأسد الخادر [1] ، والبحر الزاخر، والقمر الباهر، والربيع الناضر فأما الأسد الخادر فأشبه صولته ومضاءه، وأما البحر الزاخر فأشبه جوده وعطاءه، وأما القمر الباهر فأشبه نوره وضياءه، وأما الربيع الناضر فأشبه حسنه وبهاءه، ثم نزل.
وهذا الكلام ينسب إلى ابن عباس يقوله في علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما.
وكان شبيب بن شيبة من أفصح الناس وأخطبهم، ويشبّه بخالد بن صفوان غير أن خالدا كان أعلى منه قدرا في الخاصة والعامة. وذكر خالد شبيبا فقال: ليس له صديق في السرّ ولا عدوّ في العلانية. وكانت بينهما معارضة للنسب والجوار والصناعة، ولما قال الشاعر: [الطويل]
فنحّ شبيبا عن قراع كتيبة ... وأدن شبيبا من كلام ملفّق
وكان لا ينظر إليه أحد وهو يخطب إلّا تبين فيه الخجل.
وقال أبو تمام لعلي بن الجهم [2] : [الكامل]
لو كنت يوما بالنجوم مصدّقا ... لزعمت أنّك نلت شكل عطارد [3]
أو قدّمتك السّنّ خلت بأنّه ... من لفظك اشتقّت بلاغة خالد [4]
وقالت له امرأة: إنك لجميل يا أبا صفوان. قال: كيف تقولين هذا وما فيّ عمود الجمال ولا رداؤه، ولا برنسه؟ عموده الطول، ولست بطويل، ورداؤه البياض، ولست بأبيض، وبرنسه سواد الشّعر، وأنا أشمط! ولكن قولي: إنك لمليح.
وكان خالد حافظا لأخبار الإسلام، وأيام الفتن، وأحاديث الخلفاء، ونوادر الرواة، وكل ما تصرّف فيه أهل الأدب، وله يقول مكي بن سوادة: [الطويل]
عليم بتنزيل الكتاب ملقّن ... ذكور لما سدّاه أول أولا [5]
يبذّ قريع القوم في كل محفل ... ولو كان سحبان الخطيب ودغفلا [6]
(1) الأسد الخادر: المقيم في خدره أي أجمته. محيط المحيط (خدر) .
(2) ديوان أبي تمام (ص 953) من قصيدة مديح.
(3) في الديوان: «أو كنت أنك أنت بكر عطارد» .
(4) في الديوان: «انشعبت» بدل «اشتقّت» .
(5) الذّكور: الكثير الحفظ في ذهنه. محيط المحيط (ذكر) .
(6) سحبان: هو رجل من بني باهلة يضرب به المثل في الخطابة والفصاحة فيقال: أخطب من سحبان