فهرس الكتاب

الصفحة 917 من 993

أعلامها، وامتدّت أيامها، فليس لمناوئها والطامع فيها يد تنيله شيئا من الوثوب عليها، فإذا ولّت أيامها فدع الوزغ [1] بذنبه فيها.

قال بعض حكماء خراسان: لمّا بلغني خروج أبي مسلم أتيت عسكره لأنظر إلى تدبيره وهيبته، فأقمت فيه أياما، فبلغني عنه شدّة عجب، وكبر ظاهر، فظننت أنه تحلّى بذلك لعيّ فيه أراد أن يستره بالصّمت، فتوصّلت إليه بحديث أسمع كلامه، وأغيب عن بصره، فسلمت فردّ ردّا جميلا، وأمر بإدخال قوم يريد تنفيذهم في وجه من الوجوه، وقد عقدوا لرجل منهم لواء، فنظر إليهم ساعة متأمّلا لهم، وقال: افهموا عني وصيّتي إياكم فإنها أجدى عليكم من أكثر تدبيركم، وبالله توفيقكم. قالوا: نعم أيها السالار، ومعناه السيد بالفارسية، فسمعته يقول، ومترجم يحكي كلامه بالفارسية لمن عبّر له منهم بالعربية: «أشعروا قلوبكم الجرأة فإنها سبب الظّفر، وأكثروا ذكر الضغائن فإنها تبعث على الإقدام، والزموا الطاعة فإنها حصن المحارب، وعليكم بعصبيّة الأشراف، ودعوا عصبية الدناءة فإن الأشراف تظهر بأفعالها، والدناءة بأقوالها» .

وذكر إدريس بن معقل أبا مسلم فقال: بمثل أبي مسلم يدرك ثار، وينفى عار، ويؤكد عهد، ويبرم عقد، ويسهّل وعر، ويخاض غمر، ويقلع ناب، ويفتح باب.

وقال رجل لأبي جعفر المنصور: أين ما تحدّث به في أيام بني أمية؟ إنّ الخلافة إذا لم تقابل بإنصاف المظلومين، ولم تعامل بالعدل في الرعية، وقسمة الفيء بالسويّة، صار عاقبة أمرها بوارا [2] ، وحاق بولاتها سوء العذاب.

قال: فتنفّس ثم قال: قد كان ما تقول، ولكنّا يا أخي استعجلنا الفانية على الباقية، وكأن قد انقضت هذه الدار. فقال له الرجل: فانظر على أي حالة تنقضي.

وقال أبو الدوانيق وكان فصيحا بليغا: «عجبا لمن أصار علمه غرضا لسهام الخطايا، وهو عارف بسرعة المنايا، اللهمّ إن تقض للمسيئين صفحا فاجعلني منهم، وإن تهب للظالمين فسحا فلا تحرمني ما يتطوّل به المولى على أخسّ عبيده» .

(1) الوزغ: جمع وزغة وهي سامّ أبرص سمّيت به لخفتها وسرعة حركتها. محيط المحيط (وزغ) .

(2) البوار: الهلاك. محيط المحيط (بور) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت