فيه من الخطل ومن الإسهاب، ولا يعجبنّك تأتّي كلمة محمودة فيلجّ بك الإطناب توقّعا لمثلها فربما هدمت ما بنته الأولى، وبضاعتك في الشرف مزجاة، وبالعقل يزمّ اللسان، ويرام السّداد، فلا يستفزّنك طرب الكلام على ما يفسد تمييزك والشفاعة لا تعرض لها فإنها مخلقة للجاه فإن اضطررت إليها فلا تهجم عليها حتى تعرف موقعها، وتحصّل وزنها، وتطالع موضعها فإن وجدت النفس بالإجابة سمحة، وإلى الإسعاف هشّة، فأظهر ما في نفسك غير محقّق، ولا توهم أنّ عليك في الردّ ما يوحشك، ولا في المنع ما يغيظك، وليكن انطلاق وجهك إذا دفعت عن حاجتك أكثر منه عند نجاحها على يدك، ليخفّ كلامك، ولا يثقل على سامعه منك. أقول ما أقول غير واعظ ولا مرشد، فقد جمّل الله خصالك، وحسّن خلالك، وفضّلك في ذلك كلّه لكني أنبّه تنبيه المشارك له، وأعلم أنّ للذكرى موضعا منك لطيفا.
وله أيضا: سألتني عمن شفّني وجدي به، وشغفني حبّي له، وزعمت أني لو شئت لذهلت عنه، ولو أردت لاعتضت منه: [الكامل] :
زعما، لعمر أبيك، ليس بمزعم
كيف أسلو عنه، وأنا أراه، وأنساه وهو لي تجاه هو أغلب عليّ، وأقرب إليّ، من أن يرخي لي عناني، أو يخيلني واختياري، بعد اختلاطي بملكه، وانخراطي في سلكه، وبعد أن ناط حبّه بقلبي نائط، وساطه بدمي سائط [1] . وهو جار مجرى الرّوح في الأعضاء، متنسّم تنسّم روح الهواء إن ذهبت عنه رجعت إليه، وإن هربت منه وقعت عليه، وما أحبّ السلوّ عنه مع هناته، وما أوثر الخلوّ منه مع ملاته هذا على أنه إن أقبل عليّ بهتني إقباله، وإن أعرض عني لم يطرقني خياله، يبعد عني مثاله، ويقرب من غيري نواله، ويردّ عيني خاسئة، ويثني يدي خالية، وقد بسط آفات العيون المقاربة، وصدق مرامي الظنون الكاذبة، وصله ينذر بصدّه، وقربه يؤذن ببعده، يدني عندما ينزح، ويأسو [2]
مثل ما يجرح، محالته أحوال، وخلّته خلال، وحكمه سجال، الحسن في عوارفه، والجمال من منائحه، والبهاء من أصوله وصفاته، والسّناء من نعوته وسماته، اسمه مطابق لمعناه، وفحواه موافق لنجواه، يتشابه حالاه، ويتضارع قطراه، من حيث تلقاه يستنير، ومن حيث تنساه يستدير.
(1) ساطه بدمي: خلطه. محيط المحيط (سوط) .
(2) يأسو: يداوي. محيط المحيط (أسا) .