وفصل أبي الفضل: وقفت على ما أتحفني به الشيخ: من نظمه الرائق البديع، وخطّه المزري بزهر الربيع، موشّحا بغرر ألفاظه، التي لو أعيرت حليتها لعطّلت قلائد النحور، وأبكار معانيه التي لو قسّمت حلاوتها لأعذبت موارد البحور، فسرّحت طرفي منها في رياض جادتها سحائب العلوم والحكم، وهبّ عليها نسيم الفضل والكرم، وابتسمت عنها ثغور المعالي والهمم، ولم أدر وقد حيّرتني أصنافها، وبهرتني ثغورها وأوصافها، حتى كستني اهتزازا وإعجابا، وأنشأت بيني وبين التماسك سترا وحجابا، ولم أدر أدهتني لها نشوة راح، أم ازدهتني نغمة ارتياح، وانتظم عندي منها عقد ثناء وقريض، أم قرع سمعي منها غناء معبد وغريض [1] ، وكيفما كان فقد حوى رتبة الإعجاز والإبداع، وأصبح نزهة القلوب والأسماع، فما من جارحة إلّا وهي تودّ لو كانت أذنا فتلتقط درره وجواهره، أو عينا تجتلي مطالعه ومناظره، أو لسانا يدرس محاسنه ومفاخره.
وله فصل من كتاب إلى أبي منصور عبد الملك بن إسماعيل الثعالبي [2] : «وصل كتاب مولاي وسيدي، أبدع الكتب هوادي وأعجازا [3] ، وأبرعها بلاغة وإعجازا، فحسبت ألفاظه درّ السحاب، أو أصفى قطرا وديمة، ومعانيه درّ السّخاب [4] ، بل أوفى قدرا وقيمة. وتأمّلت الأبيات فوجدتها فائقة النّظم والرّصف، عبقة النسيم والعرف، فائزة بقداح الحسن والظّرف، مالكة لزمام القلب والطّرف ولا غرو أن يصدر مثلها عن ذلك الخاطر، وهو هدف الفقر والنوادر، وصدف الدرر والجواهر، والله يمتّعه بما منحه من هذه الغرر والأوضاح، كما أطلق فيه ألسنة الثناء والامتداح.
وأبو منصور هذا يعيش إلى وقتنا هذا [على طريق التخمين لا على حقيقة اليقين] وهو فريد دهره، وقريع عصره، ونسيج وحده، وله مصنفات في العلم والأدب، تشهد له
(1) معبد: هو معبد بن وهب، نابغة الغناء العربي في العصر الأموي. توفي سنة 126هـ. ترجمته في الأغاني (ج 1ص 43) و (ج 14ص 115) والأعلام (ج 7ص 264) . والغريض: هو عبد الملك، من مولدي البربر، ومن أشهر المغنين في صدر الإسلام، توفي نحو 95هـ. ترجمته في الأغاني (ج 2ص 353) والأعلام (ج 4ص 156) .
(2) الثعالبي: هو عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي، من أئمة اللغة والأدب، سمّي بالثعالبي نسبة إلى الثعالب حيث كان يخيط جلودها. توفي سنة 429هـ. ترجمته في وفيات الأعيان (ج 3 ص 178) ومعاهد التنصيص (ج 3ص 266) والعبر للذهبي (ج 3ص 172) وشذرات الذهب (ج 3 ص 246) والذخيرة لابن بسام (ق 4ص 560) والأعلام (ج 4ص 163) .
(3) الهوادي والأعجاز: البدايات والنهايات.
(4) السّخاب: قلادة من القرنفل. محيط المحيط (سخب) .