فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 993

وذلك أوجب الفلاح للمحسنين، وجعل سوء العاقبة للمسيئين المقصّرين.

ووقّع في رقعة ساع: نحن نرى قبول السعاية شرّا منها لأنّ السّعاية دلالة، والقبول إجازة، وليس من دلّ على شيء وأخبر به كمن قبله وأجازه فاتّقوا السّاعي فإنّه لو كان في سعايته صادقا لكان في صدقه آثما إذ لم يحفظ الحرمة، ولم يستر العورة.

والشيء يقرن مع جنسه: كتب محمد بن علي إلى محمد بن يحيى بن خالد، وكان واليا على أرمينية للرشيد: إنّ قوما صاروا إلى سبيل النّصح فذكروا ضياعا بأرمينية قد عفت ودرست، يرجع منها إلى السلطان مال عظيم، وإني وقفت عن المطالبة حتى أعرف رأيك.

فكتب إليه: قرأت هذه الرقعة المذمومة، وفهمتها، وسوق السعاية بحمد الله في أيامنا كاسدة، وألسنة السّعاة في أيامنا كليلة خاسئة فإذا قرأت كتابي هذا فاحمل الناس على قانونك، وخذهم بما في ديوانك فإنّا لم نولّك الناحية، لتتّبع الرسوم العافية، ولا لإحياء الأعلام الداثرة، وجنّبني وتجنّب بيت جرير يخاطب الفرزدق: [الوافر]

وكنت إذا حللت بدار قوم ... رحلت بخزية وتركت عارا

وأجر أمورك على ما يكسب الدّعاء لنا لا علينا، واعلم أنها مدّة تنتهي، وأيام تنقضي، فإمّا ذكر جميل، وإما خزي طويل.

وقال رجل للمهدي: عندي نصيحة يا أمير المؤمنين، فقال: لمن نصيحتك هذه؟

لنا، أم لعامّة المسلمين، أم لنفسك؟ قال: لك يا أمير المؤمنين، قال: ليس الساعي بأعظم عورة ولا أقبح حالا ممّن قبل سعايته، ولا تخلو من أن تكون حاسد نعمة، فلا نشفي غيظك، أو عدوّا فلا نعاقب لك عدوّك! ثم أقبل على الناس فقال: لا ينصح لنا ناصح إلّا بما فيه لله رضا، وللمسلمين صلاح، فإنما لنا الأبدان وليس لنا القلوب ومن استتر عنّا لم نكشفه، ومن بادانا طلبنا توبته، ومن أخطأ أقلنا عثرته فإني أرى التأديب بالصّفح أبلغ منه بالعقوبة، والسلامة مع العفو أكثر منها مع المعاجلة، والقلوب لا تبقى لوال لا ينعطف إذا استعطف، ولا يعفو إذا قدر، ولا يغفر إذا ظفر، ولا يرحم إذا استرحم.

ووقّع ذو الرياستين إلى تميم بن خزيمة: الأمور بتمامها، والأعمال بخواتمها، والصنائع باستدامتها، وإلى الغاية يجري الجواد فهناك كشفت الخبرة قناع الشّكّ فحمد السابق، وذمّ الساقط.

وذو الرياستين هو القائل: [البسيط]

أنضيت أحرف «لا» ممّا لفظت بها ... فحوّلي رحلها عنّا إلى نعم

أو صيّريها إليها منك منعمة ... إن كنت حاولت فيها خفّة الكلم (1)

قستم علينا فعارضنا قياسكم ... يا أحسن الناس من قرن إلى قدم

ولمّا قتل ذو الرياستين دخل المأمون على أمّه فقال: لا تجزعي فإنّي ابنك بعد ابنك. فقالت: أفلا أبكي على ابن أكسبني ابنا مثلك؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت