كأنّ الأدب غريب من الأعراب، فافتخر بما عنده منه.
وقال الطائي في فطنتهم، يستعطف مالك بن طوق على قومه بني تغلب [1] :
[الكامل]
لا رقّة الخصر اللطيف غذتهم ... وتباعدوا عن فطنة الأعراب
فإذا كشفتهم وجدت لديهم ... كرم النفوس وقلّة الآداب
ووصف أعرابي رجلا فقال: هو أطهر من الماء، وأرقّ طباعا من الهواء، وأمضى من السيل، وأهدى من النّجم.
ووصف أعرابيّ رجلا فقال: ذاك والله من ينفع سلمه، ويتواصف حلمه، ولا يستمرأ ظلمه.
وقال أعرابي: جلست إلى قوم من أهل بغداد فما رأيت أرجح من أحلامهم، ولا أطيش من أقلامهم.
وذكر أعرابي من بني كلاب رجلا فقال: كان والله الفهم منه ذا أذنين، والجواب ذا لسانين، ولم أر أحدا أرتق لخلل رأي، ولا أبعد مسافة رويّة، ومراد طرف منه إنما كان يرمي بهمّته حيث أشار إليه الكرم، وما زال يتحسّى مرارة أخلاق الإخوان، ويسقيهم عذوبة أخلاقه.
وذكر أعرابيّ رجلا فقال: والله لكأن القلوب والألسن ريضت له، فما تعقد إلّا على ودّه، ولا تنطق إلّا بحمده.
وقال أعرابي: أقبح أعمال المقتدرين الانتقام، وما استنبط الصواب بمثل المشاورة، ولا اكتسبت البغضاء بمثل الكبر.
قال الأصمعي: وخطبنا أعرابي بالبادية، فقال: أيّها الناس، إنّ الدنيا دار مفرّ، والآخرة دار مقرّ فخذوا من مفرّكم لمقرّكم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم.
قال المعافر بن نعيم: وقفت أنا ومعبد بن طوق العنبري على مجلس لبني العنبري، وأنا على ناقة وهو على حمار، فقاموا فبدأوني فسلّموا عليّ ثم انكفأوا على معبد، فقبض يده عنهم وقال: لا، ولا كرامة! بدأتم بالصغير قبل الكبير، وبالمولى قبل العربيّ،
(1) ديوان أبي تمام (ص 24) من قصيدة مدح مالك بن طوق التغلبي.