وروى العتبيّ عن أبيه قال: سمعت أعرابيا يقول لأخيه في معاتبة جرت بينهما: أما والله لربّ يوم كتنّور الطاهي، رقّاص بالحمامة، قد رميت نفسي في أجيج سمومه، أحتمل منه ما أكره لما أحبّ.
قال أبو العباس محمد بن يزيد: وأحسب العتبي صنع هذا الكلام، وأخذه من قول بشّار [1] : [الطويل]
ويوم كتنّور الإماء سجرنه ... وأوقدن فيه الجزل حتى تضرّما
رميت بنفسي في أجيج سمومه ... وبالعيس حتى بضّ منخرها دما
أخذ هذا المعنى بعض أصحاب أبي العباس ثعلب فقال يهجو المبرد: [الطويل]
ويوم كتنّور الطّهاة سجرته ... على أنه منه أحرّ وأوقد [2]
ظللت به عند المبرّد جالسا ... فما زلت في ألفاظه أتبرّد
قال الأصمعي: حجّت أعرابية ومعها ابن لها، فأصيبت به، فلمّا دفن قامت على قبره، وهي موجعة فقالت: والله يا بنيّ لقد غذوتك رضيعا، وفقدتك سريعا، وكأنه لم يكن بين الحالين مدة ألتذّ بعيشك فيها، فأصبحت بعد النّضارة والغضارة ورونق الحياة والتنسّم في طيب روائحها، تحت أطباق الثّرى جسدا هامدا، ورفاتا سحيقا، وصعيدا جرزا [3] أي بني! لقد سحبت الدنيا عليك أذيال الفناء، وأسكنتك دار البلى، ورمتني بعدك نكبة الرّدى، أي بني، لقد أسفر لي وجه الدنيا عن صباح داج ظلامه.
ثم قالت: أي ربّ ومنك العدل، ومن خلقك الجور، وهبته لي قرّة عين فلم تمتّعني به كثيرا، بل سلبتنيه وشيكا ثم أمرتني بالصبر، ووعدتني عليه الأجر، فصدقت وعدك، ورضيت قضاءك، فرحم الله من ترحّم على من استودعته الرّدم، ووسّدته الثّرى اللهمّ ارحم غربته، وآنس وحشته، واستر عورته، يوم تكشف الهنات والسّوءات.
فلمّا أرادت الرجوع إلى أهلها وقفت على قبره، فقالت! أي بنيّ، إني قد تزوّدت لسفري، فليت شعري ما زادك لبعد طريقك، ويوم معادك؟ اللهمّ إني أسألك له الرضا برضائي عنه. ثم قالت: استودعتك من استودعنيك في أحشائي جنينا وأثكل الوالدات! ما أمضّ حرارة قلوبهنّ، وأقلق مضاجعهنّ، وأطول ليلهنّ، وأقصر نهارهنّ، وأقلّ
(1) ديوان بشار بن برد (ص 200) .
(2) سجر التّنّور: أحماه. القاموس المحيط (سجر) .
(3) الصعيد: التراب أو وجه الأرض. الأرض الجرز: التي لا تنبت. القاموس المحيط (صعد) و (جرز) .