يقبض نبيّ حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخيّر. قالت عائشة رضي الله عنها: فسمعته وقد شخص بصره وهو يقول: في الرفيق الأعلى! فعلمت أنه خيّر، فقلت: لا يختارنا إذن، وقلت: هو الذي كان يحدثنا وهو صحيح.
وكان أبو بكر، لمّا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أرضه بالسّنح [1] ، فتواترت إليه الرسل، فأتى وقد ذهل الناس، فكانوا كالخرس، وتفرقت أحوالهم، واضطربت أمورهم، فكذّب بعضهم بموته، وصمت آخرون فما تكلّموا إلّا بعد [التغير] ، وخلط آخرون فلاثوا [2] ، الكلام بغير بيان، وحقّ لهم ذلك للرزيّة العظمى، والمصيبة الكبرى، التي هي بيضة العقر [3] ، ويتيمة الدهر، ومدى المصائب، ومنتهى النوائب، فكل مصيبة بعدها جلل [4]
عندها، ولذلك قال، صلى الله عليه وسلم: لتعزّ المسلمين في مصائبهم المصيبة بي.
وكان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ممن كذّب بموته، وقال: ما مات، وليرجعنّه الله، فليقطعنّ أيدي المنافقين وأرجلهم، يتمنّون لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، الموت وإنما واعده ربّه كما واعد موسى، وهو يأتيكم.
وأما عثمان، رضي الله عنه، فكان ممن أخرس فجعل لا يكلّم أحدا، فيؤخذ بيده ويجاء به فينقاد.
وأمّا علي، رضي الله عنه، فلبط بالأرض، فقعد ولم يبرح البيت حتى دخل أبو بكر، وهو في ذلك جلد [5] العقل والمقالة، فأكبّ عليه، وكشف عن وجهه ومسحه، وقبّل جبينه، وبكى بكاء شديدا، وقال الكلام الذي قدّمته. ولمّا خرج إلى الناس وهم في شديد غمراتهم، وعظيم سكراتهم، قام فخطب خطبة جلّها الصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، قال فيها:
أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله، وأشهد أن الكتاب كما نزل وأن الدين كما شرع، وأنّ الحديث كما حدث، وأن القول كما قال، وأن الله هو الحقّ المبين. في كلام طويل، ثم قال: أيها الناس من كان يعبد محمدا فإنّ
(1) السّنح، بضم السين وسكون النون: إحدى محالّ المدينة كان بها منزل أبي بكر الصديق. معجم البلدان (ج 3ص 265) .
(2) لاثوا: خلطوا. لسان العرب (لوث) .
(3) قوله: «بيضة العقر» مثل يضرب لما لا يكون يقال إنها بيضة الديك، يضرب للشيء يكون مرة واحدة. مجمع الامثال (ج 1ص 96، رقم 466) .
(4) الجلل: هنا بمعنى الحقير من الأمور، والمراد أن كل مصيبة تهون وتحتقر بعد المصيبة الكبرى، مصيبة موت النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
(5) الجلد: الثابت. لسان العرب (جلد) .