فهرس الكتاب

الصفحة 411 من 993

راح كالنار والنّور والنّور، أصفى من البلّور، ومن دمع المهجور. روح نور لها من الكأس جسم، كأنها شمس في غلالة سراب. شراب أكاد أقول: هو أصفى من مودّتي لك، ومن نعم الله عندي فيك، وأطيب من إسعاف الزمان بلقائك. مدامة قد سبك الدهر تبرها فصفا. كأس كأنها نور ضميره نار. راح كياقوتة في درّة، أصفى من ماء السماء، ودمع العاشقة المرهاء [1] ، أحسن من الدنيا المقبلة، والنعم المكملة. أحسن من العافية في البدن، وأطيب من الحياة في السرور. أرقّ من نسيم الصّبا، وعهد الصّبا. أرقّ من دمع محبّ، وشكوى صبّ. أرقّ من دموع العشّاق، مرتها [2] لوعة الفراق. مزج نار الرّاح بنور الماء. راح كأنها معصورة من وجنة الشمس، في كأس كأنها مخروطة من فلقة البدر.

كأسها ملء اليد، وريحها ملء البلد، تصبّ على الليل ثوب النهار، كأنها في الكأس معنى دقيق في ذهن لطيف. كأنّ الراح من خدّه معصورة، وملاحة الصورة عليها مقصورة. وهذا من قول الطائي * كأنها من خدّه تعصر * وقال عبد السلام بن رغبان الملقب بديك الجن الشاعر المشهور [3] : [الطويل]

معتّقة من كفّ ظبي كأنما ... تناولها من خدّه فأدارها [4]

تمشّت الصّهباء [5] في عظامهم، وترقّت إلى هامهم، وماست في أعطافهم، ومالت بأطرافهم. سارت فيهم الكؤوس، ونالت منهم سورة الخندريس [6] . شربت عقولهم، وملكت قلوبهم.

وقال أبو نواس، وهو أستاذ الناس في هذا الشأن [7] : [الكامل]

صفة الطلول بلاغة الفدم ... فاجعل صفاتك لابنة الكرم

تصف الطلول على السماع بها ... أفذو العيان كثابت العلم؟ [8]

وإذا وصفت الشيء متّبعا ... لم تخل من غلط ومن وهم [9]

(1) المرهاء: البيضاء. القاموس المحيط (مره) .

(2) مرتها: استخرجتها. القاموس المحيط (مرى) .

(3) ديوان ديك الجن (ص 83) .

(4) في الديوان: «مشعشعة» بدل «معتّقة» .

(5) الصّهباء: الخمر. القاموس المحيط (صهب) .

(6) الخندريس: الخمر القديمة. محيط المحيط (خندرس) .

(7) ديوان أبي نواس (ص 5857) .

(8) في الديوان: «كأنت في العلم» .

(9) في الديوان: «زلل» بد «غلط» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت