فهرس الكتاب

الصفحة 416 من 993

يسرّ العاقل بسلاح قاتله؟ وهذا الفاضل شفاه الله وإن ظاهرناه بالعداوة قليلا، فقد باطنّاه ودّا جميلا، والحرّ عند الحميّة لا يصطاد، ولكنه عند الكرم ينفاد، وعند الشدائد تذهب الأحقاد، فلا تتصور حالتي إلّا بصورتها من التوجّع لعلّته، والتحزّن لمرضته، وقاه والله المكروه، ووقاني سماع المحذور فيه، بمنّه وحوله، ولطفه وطوله.

قال البديع في سياقة أخباره مع أبي بكر الخوارزمي:

أولها أنّا وطئنا خراسان، فما اخترنا إلّا نيسابور دارا، وإلّا جوار السادة جوارا، لا جرم أنا حططنا بها الرّحل ومددنا عليها الطّنب [1] ، وقديما كنّا نسمع بحديث هذا الفاضل فنتشوّقه، وبخبره على الغيب فنتعشّقه، ونقدّر أنا إذا وطئنا أرضه، ووردنا بلده، يخرج لنا في العشرة عن القشرة، وفي المودّة عن الجلدة، فقد كانت كلمة الغربة جمعتنا، ولحمة الأدب نظمتنا، وقد قال شاعر القوم غير مدافع [2] : [الطويل]

أجارتنا إنّا غريبان ها هنا ... وكلّ غريب للغريب نسيب

فأخلف ذلك الظنّ كلّ الإخلاف، واختلف ذلك التقدير كلّ الاختلاف، وكان قد اتفق علينا في الطريق من العرب اتفاق، لم يوجبه استحقاق، من بزّة بزّوها، وفضّة فضّوها، وذهب ذهبوا به، ووردنا نيسابور براحة، أنقى من الراحة، وكيس أخلى من جوف حمار [3] ، وزي أوحش من طلعة المعلّم، بل اطلاعة الرقيب، فما حللنا إلّا قصبة جواره، ولا وطئنا إلّا عتبة داره وهذا بعد رقعة قدّمناها، وأحوال أنس نظمناها.

ونسخة الرقعة: أنا بقرب الأستاذ أطال الله بقاه كما طرب النّشوان مالت به الخمر، ومن الارتياح للقائه كما انتفض العصفور بلّله القطر، ومن الامتزاج بولائه كما التقت الصّهباء والبارد العذب، ومن الابتهاج لمزاره كما اهتزّ تحت البارح الغصن الرّطب، فكيف نشاط الأستاذ سيدي لصديق طرأ إليه ممّا بين قصبتي العراق وخراسان، بل عتبتي نيسابور وجرجان؟ وكيف اهتزازه لضيف: [الكامل]

رثّ الشمائل مخلق الأثواب ... بكرت عليه مغيرة الأعراب

وهو أيّده الله! وليّ إنعامه، بإنفاذ غلامه، إلى مستقرّي، لأفضي إليه بما عندي إن شاء الله.

(1) الطّنب، بالضم: حبل طويل يشدّ به سرادق البيت، أو الوتد. القاموس المحيط (طنب) .

(2) شاعر القوم هو امرؤ القيس، وبيته في ديوانه (ص 357) .

(3) قوله: «أخلى من جوف حمار» . كناية عن عدم منفعته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت