فهرس الكتاب

الصفحة 446 من 993

كتب الأمير أبو الفضل الميكالي إلى أبي منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل

الثعالبي كتابي وأنا أشكو إليك شوقا لو عالجه الأعرابي لما صبا إلى رمل عالج [1] ، أو كابده الخليّ لانثنى على كبد ذات حرق ولواعج وأذمّ زمانا يفرّق فلا يحسن جمعا، ويخرق فلا ينوي رقعا، ويوجع القلب بتفريق شمل ذوي الوداد، ثم يبخل عليهم بما يشفي الصدور والأكباد قاسي القلب فلا يلين لاستعطاف، جائر الحكم فلا يميل إلى إنصاف، وكم أستعدي على صرفه وأستنجد، وأتلظّى غيظا عليه وأنشد: [الطويل]

متى وعسى يثني الزمان عنانه ... بعثرة حال والزّمان عثور

فتدرك آمال وتقضى مآرب ... وتحدث من بعد الأمور أمور

وكلّا، فما على الدهر عتب، ولا له على أهله ذنب وإنما هي أقدار تجري كما شاء مجريها، وتنفذ كالسهام إلى مراميها فهي تدور بالمكروه والمحبوب، على الحكم المقدور والمكتوب، لا على شهوات النفوس وإرادات القلوب وإذا أراد الله تعالى أذن في تقريب البعيد النازح، وتسهيل الصّعب الجامح، فيعود الأنس بلقائك الإخوان كأتمّ ما لم يزل معهودا، ويجدّد للمذاكرة والمؤانسة رسوما وعهودا إنه الملبّي به، والقادر عليه.

وله إلى أبيه: ولو ملكت عنان اختياري، وأسعفني ببعض ما أقترحه القدر الجاري، لما غبت عن حضرته آنسها الله! ساعة من دهري، كما لا أعدّ ساعات بعدي عنها وإخلائي لبابها من أيام عمري ولكنت أبدا ماثلا بها في زمرة الخدم والعبيد، جامعا بها بين حاشيتي العزّ المديد، والشرف العتيد لا سيما في هذا الوقت وقد أشرقت البلاد بنور طلعته التي هي في ظلمة الدّهر صباح، وعزّ مطالعته التي فيها لصدور ذوي الشّنإ شجا ولزند الآمال اقتداح، ومعاودة ظلّه التي أضحت الشمس من حساده، والزمان من عدد ساكنيه وعتاده، إلّا أن الحريص كما علمه مولانا مخلى عن أعذب موارده، وممنوع بالعوائق عن أكرم مطالعه ومقاصده.

وله يستفتح مكاتبة بعض إخوانه:

أنا وإن لم تتقدّم بيني وبينه المكاتبة، وعادة المساجلة والمفاوضة، من فرط حرصي على افتتاحها وتعاطيها، واعتراض العوائق دون المراد والغرض فيها، فإن قلبي بودّه مغمور، وضميري على مصافاته مقصور، فاعتداده لفضائله التي أصبح فيها أوحديّ العنان، وزاحم فيها منكب العنان، واستأثر فيها بالغرر والأوضاح، ما أوفى بها على غرّة الصباح، حتى تشاهدت بها ضمائر القلوب، وتهادت أنباءها ألسنة البعيد والقريب، اعتداد

(1) رمل عالج: جبال متواضعة يتصل أعلاها بالدهناء ويتسع اتساعا كثيرا حتى قيل رمل عالج يحيط بأكثر أرض العرب. محيط المحيط (علج) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت