وكأنّه والحبر يخضب رأسه ... شيخ لوصل خريدة يتصنّع
لم لا ألاحظه بعين جلالة ... وبه إلى الله الصحائف ترفع؟
وقال أبو الفتح كشاجم: [المنسرح]
محبرة جاد لي بها قمر ... مستحسن الخلق مرتضى الخلق
جوهرة خصّني بجوهرة ... ناطت له المكرمات في عنقي
بيضاء والحبر في قراراتها ... أسود كالمسك جدّ منفتق
مثل بياض العيون زيّنه ... مسودّ ما شابه من الحدق
كأنما حبرها إذا نثرت ... أقلامنا ظلّه على الورق
كحل مرته العيون من مقل ... نجل فأوفت به على يقق [1]
خرساء لكنّها تكون لنا ... عونا على علم أفصح النّطق
وقال عبد الله بن أحمد: القلم أمره [2] ، ما لم يكتحل بإثمد الدّواة [3] .
وكتب إبراهيم بن العباس كتابا فأراد محو حرف فلم يجد منديلا، فمحاه بكمّه فقيل له في ذلك، فقال: المال فرع، والعلم أصل وإنما بلغنا هذه الحال، واعتقدنا هذه الأموال [4] بهذا القلم والمداد، ثم قال: [الوافر]
إذا ما الفكر أضمر حسن لفظ ... وأدّاه الضمير إلى العيان
ووشّاه ونمنمه مسدّ ... فصيح بالمقال وباللّسان [5]
رأيت حلى البيان منوّرات ... تضاحك بينها صور المعاني
ألفاظ لأهل العصر في أوصاف آلات الكتابة والدويّ والأقلام.
الدواة من أنفع الأدوات، وهي للكتابة عتاد، وللخاطر زناد، غدير لا يرده غير الأفهام، ولا يمتح بغير أرشية الأقلام [6] ، دواة أنيقة الصّنعة، رشيقة الصبغة، مسكيّة الجلد، كافورية الحلية. غدير تفيض ينابيع الحكمة من أقطاره، وتنشأ سحب البلاغة من
(1) مرت العيون الكحل: استخرجته. اليقق: الأبيض. القاموس المحيط (مرى) و (يقق) .
(2) الأمره: وصف من المره وهو خلوّ العين من الكحل. القاموس المحيط (مره) .
(3) الإثمد: حجر للكحل. القاموس المحيط (ثمد) .
(4) اعتقد المال: اقتناه. القاموس المحيط (عقد) .
(5) المسدّي: اسم فاعل سدّى الثوب: أي جعل له سدى، وسدى الثوب: ما مدّ منه. القاموس المحيط (سدى) .
(6) الأرشية: جمع رشاء وهو في الأصل: الحبل. القاموس المحيط (رشا) .