فهرس الكتاب

الصفحة 503 من 993

ذنبي إليك عظيم ... وأنت أعظم منه

فخذ بحقّك، أو لا ... فاصفح بفضلك عنه

إن لم أكن في فعالي ... من الكرام فكنه

فقال لي: إني شاورت أبا إسحاق والعباس في قتلك، فأشارا به، قال: فما قلت لهما يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت لهما: بدأناه بإحسان، ونحن نستأمره فيه، فإن غيّر فالله يغير ما به، قال: أما أن يكونا قد نصحا في عظيم ما جرت عليه السياسة فقد فعلا وبلغا ما يبلغك، وهو الرأي السديد، ولكنك أبيت ألّا تستجلب النصر إلّا من حيث عوّدك الله. ثم استعبر باكيا، فقال له المأمون: ما يبكيك؟ قال: جذلا! إذ كان ذنبي إلى من هذه صفته في الإنعام، ثم قال: إنه وإن كان قد بلغ جرمي استحلال دمي، فعلم أمير المؤمنين وفضله بلغاني عفوه، ولي بعدهما شفاعة الإقرار بالذنب، وحقّ الأبوّة بعد الأب. فقال: يا إبراهيم، لقد حبّب إليّ العفو حتى خفت ألّا أوجر عليه، أما لو علم الناس ما لنا في العفو من اللذّة لتقرّبوا إلينا بالجنايات، لا تثريب [1] عليك يغفر الله لك، ولو لم يكن في حقّ نسبك ما يبلغ الصفح عن جرمك لبلّغك ما أملت حسن تنصّلك ولطف توصّلك، ثم أمر بردّ ضياعه وأمواله، فقال: [البسيط]

رددت مالي ولم تبخل عليّ به ... وقبل ردّك مالي قد حقنت دمي

وقام علمك بي فاحتجّ عندك لي ... مقام شاهد عدل غير متّهم

فلو بذلت دمي أبغي رضاك به ... والمال حتى أسلّ النّعل من قدمي

ما كان ذاك سوى عاريّة سلفت ... لو لم تهبها لكنت اليوم لم تلم

أخذ معنى قول المأمون: «لقد حبّب إليّ العفو حتى خفت إلّا أوجر عليه» أبو تمام الطائي فقال [2] : [الكامل]

لو يعلم العافون كم لك في الندى ... من لذّة وقريحة لم تخمد [3]

فكان أبو تمام في هذا كما قال أبو العباس المعتز في القاسم بن عبيد الله:

إذا ما مدحناه استعنّا بفعله ... فنأخذ معنى قولنا من فعاله

وكان تصويب إبراهيم لرأي أبي إسحاق المعتصم والعباس بن المأمون ألطف في طلب الرضا ودفع المكروه واستمالتهما إلى العاطفة عليه من الإزراء عليهما في رأيهما،

(1) لا تثريب عليك: لا لوم عليك. القاموس المحيط (ثرب) .

(2) ديوان أبي تمام (ص 101) من قصيدة مديح.

(3) في الديوان: «فرحة» بدل «لذّة» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت