اختلاف أنحاء، من صفات وأسماء فتبارك الله أحسن الخالقين.
حمل من رسالة كتبها بعض أهل العصر، وهو أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمي، في القلم إلى أبي عمران بن رياح:
إنه لما كان القلم مطيّة الفكر والبيان، ومخرج الضمير إلى العيان، ومستنبطا ما تواريه ظلم الجنان إلى نور البيان، ومريح الفطن العوازب، وجالب الفكر الغرائب [ولسان الغائب، وبز الكاتب، مكتّب الكتائب] ، ومفرق الجلائب، وعماد السّلم، وزناد الحرب، ويد الحدثان، وخليفة اللسان، ورأس الأدوات التي خصّ الله بها الإنسان، وشرّفه بها على سائر أصناف الحيوان، ومركبا لآلة قد تقدّمت كلّ آلة، وحكمة سبقت في الإنسان كلّ حكمة، وقواما لهندسة عقلية، ومصدرا لعقل العاقل، وجهل الجاهل. الناقل إلينا حكم الأولين، وحاملها عنا إلى الآخرين، الحافظ علينا أمر الدنيا والدين، أول شيء خلقه الله بأمره وسبّحه، ومجّده وحمده وسجد له، فكان له فرسان خلق لهم، وكنت عميدهم، وأقران قصر عليهم، وأنت صنديدهم، وميدان كنت زينه، ومضمار كنت عينه، وحلية كنت سابقها ومعجزها، وغاية كنت مالكها ومحرزها، ورمت بي الأيام إلى معدنه الذي كلفت به وعنيت بطلبه، فانفردت منه بقدح فذّ أوحد، فرد في منبته، قد ساعدت عليه السعود في فلك البروج حولا كاملا، مختلف يؤلّفه أركانها وطباعها، ومتباين أنوائها وأنحائها، وتؤيّده بقواها وجواهرها، حتى غذته عرقا في الثرى معرقا، وأرضعته ناجما، وسقته مكعبا، وأروته مقصبا، وأظمأته مكتهلا، ولوحته مستحصدا، وجلّلته بهاءها، وألقت عليه عنوانها، وأودعته أعراقها، وأوراقها وأخلاقها، حتى إذا شقّ بازله، ورقّت شمائله، وابتسم من غشائه، ونادى من لحائه، وتعرى عن خز المصيف، بانقضاء الخريف، وانكشف عن لون البيض المكنون، والصدف المخزون، ودرّ البحار، وفتات الجمار، دعا منه نفق العاج بنقبة الديباج، وقميص الدرر بطراز النساج، فاجتمعت له زينة الأيدي البشرية، إلى الأيدي العلوية، والأنساب الأرضية، إلى الأنساب السماوية، فلمّا قادته السعادة إليّ، ورأيته نسيج وحده في الأقلام، رأيت أولى الناس به نسيج وحده في الأنام، فآثرتك به مؤثرا للصنيعة عالما أن زين الجياد فرسانها، وزين السيوف أقرانها، وزين بزة لابسها، وزين أداة ممارسها، فالآن أعطيت القوس باريها، وزناد المكارم موريها، والصمصامة مصلتها، والقناة معلمها، وحلّة المجد لابسها.
وكان النجيرمي جيّد الروية والبديهة في نظمه ونثره، حلو التصريف، مليح التأليف، وكان يوما عند أبي المسك كافور الإخشيدي، فدخل عليه أبو الفضل بن عياش فقال: أدام الله أيام سيدنا الأستاذ بالخفض فتبسّم كافور إلى أبي إسحاق، فقال
ارتجالا: [البسيط]