إني امرؤ هدم الإقتار مأثرتي ... واجتاح ما أبدت الأيام من خطري
أنا ابن عمرو بن كلثوم يسوّده ... حيّا ربيعة والأحياء من مضر
أرومة عطّلتني من مكارمها ... كالقوس عطّلها الرامي من الوتر
وكان صاحب بديهة في المنظوم والمنثور، حسن العقل والتمييز، والعرب تقول:
من تمنّى رجلا حسن العقل، حسن البيان، حسن العلم، تمنّى شيئا عسيرا. وقد اجتمع ذلك كله للعتابي.
وعاتبه يحيى بن خالد على لباسه، وكان لا يبالي أي ثوبيه ابتذل! فقال: أبعد الله رجلا مهمّه أن يكون جماله في لباسه وعطره. إنما ذلك حظّ النساء، وأهل الأهواء، حتى يرفعه أكبراه: همّته، ولبّه، ويعلو به معظماه: لسانه، وقلبه.
ودخل على الرشيد فقال: تكلّم يا عتّابيّ! فقال: الإيناس قبل الإبساس، لا يمدح المرء بأوّل صوابه، ولا يذمّ بأول خطئه لأنه بين كلام زوّره، أو عيّ حصره.
وذكر أبو هفّان أنّ الرشيد لقيه بعد قتل جعفر بن يحيى وزوال نعمته، فقال:
ما أحدثت بعد يا عتّابي؟ فأنشده ارتجالا: [الطويل]
تلوم على ترك الغنى باهليّة ... طوى الدهر عنها كلّ طرف وتالد
رأت حولها النسوان يرفلن في الكسا ... منظمة أجيادها بالقلائد
أسرّك أني نلت ما نال جعفر ... من الملك أو ما نال يحيى بن خالد
وأنّ أمير المؤمنين أغصّني ... مغصّهما بالمرهفات البوارد
فإنّ رفيعات المعالي مشوبة ... بمستودعات في بطون الأساود
وكان متحرفا عن البرامكة، وفيهم يقول: [البسيط]
إنّ البرامك لا تنفك أنجية ... بصفحة الدّين من نجواهم ندب [1]
تجرّمت حجج منهم ومنصلهم ... مضرّج بدم الإسلام مختضب [2]
واجتاز عبد الله بن طاهر بالرقة بمنزل العتّابي، فقال: أليس هذا منزل كلثوم بن عمرو؟ قيل: نعم، فثنى رجله، ودخل إليه، فألفاه جالسا في بيت كتبه، فحادثه وذاكره، ثم انصرف، فتحدّث الناس في ذلك، وقالوا: إن الأمير لم يقصده، وإنما اجتاز به فأخطر ذلك الزيارة، فكتب إليه: [الكامل]
(1) الأنجية: جمع نجيّ وهو السّرّ. النّدب، أثر الجرح، محيط المحيط (نجا) و (ندب) .
(2) تجرّمت: ذهبت وانقضت. محيط المحيط (جرم) .