ظرف الصداقة، أرق من ظرف العلاقة، والنفس بالصديق، آنس منها بالعشيق.
فقال له أبو تمام: كلامك هذا أرقّ من شعري.
والحسن بن وهب حسن الشعر والبلاغة، جيّد اللسان، حلو البيان، وكان يحب بنان جارية محمد بن حمّاد، وله فيها شعر جيد، ولها يقول: [الطويل]
أقول وقد حاولت تقبيل كفّها ... وبي رعدة أهتزّ منها وأسكن
ليهنئك أنّي أشجع الناس كلّهم ... لدى الجرب إلّا أنني عنك أجبن
وحضرت مجلسه وبين يديه نار فأمرت بإزالتها، فقال: [الكامل]
بأبي كرهت النار حتى أبعدت ... فعلمت ما معناك في إبعادها
هي ضرّة لك في التماع ضيائها ... وهبوب نفحتها لدى إيقادها
وأرى صنيعك في القلوب صنيعها ... بسيالها وأراكها وعرادها [1]
شركتك في كلّ الأمور بفعلها ... وضيائها وصلاحها وفسادها
وإلى هذا ينظر قول الأمير تميم بن المعزّ: [الخفيف]
ما هجرت المدام والورد والبد ... ر بطوع، لكن برغم وكره
منعتني من الثلاثة من لو ... قتلتني لم أحك والله من هي
قالت الورد والمدامة والبد ... ر ضيائي ولون خدّي ووجهي
قلت بخلا بكلّ شيء فقالت ... لا ولكن بخلت بي وبشبهي
قلت يا ليتني شبيهك قالت ... إنما يقتل المحبّ التّشهّي
ولمّا مات الحسن بن وهب وكان موته بالشام عزّي عنه أخوه سليمان، فجاء أبو العيناء، فقال: أنشدني أبو سعيد الأصمعي: [الطويل]
لعمري لنعم المرء من آل جعفر ... بحوران أمسى أعلقته الحبائل
لقد فقدوا عزما وحزما وسؤددا ... وعلما أصيلا خالفته المجاهل
فإن عشت لم أملل حياتي وإن تمت ... فما في حياتي بعد موتك طائل
فقال سليمان: أحسن الله جزاءك، ووصل إخاءك، إن هذا لمن أحسن الشعر، وقد تمثّل به قتيبة حين بلغه موت الحجاج، ولكني أقول كما قال كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه أبا المغوار: [الطويل]
أخي ما أخي لا فاحش عند بيته ... ولا ورع عند اللقاء هيوب
(1) السّيال، بزنة سحاب: جمع سيالة وهي نبات له شوك أبيض طويل. العراد: جمع عرادة وهي شجرة صلبة. لسان العرب (سيل) و (عرد) .