فهرس الكتاب

الصفحة 582 من 993

وكان أخوه عبد الصمد يؤذيه ويهجوه، فكتب إليه أحمد: أما بعد، فإنّ أعظم المكروه ما جاء من حيث يرجى المحبوب، وقد كنت مؤمّلا مرجوا، حتى شمل شرّك، وعمّ أذاك، فصرت فيك كأبي العاقّ: إن عاش نغّصه، وإن مات نقصه، واعلم لقد خشّنت صدر أخ جيبه لك ناصح، والسلام.

وكان يقول له: أنت كالأصبع الزائدة: إن تركت شانت، وإن قطعت آلمت!.

ومثل هذا قول النعمان بن شمر الغساني: [الطويل]

وصال أبي برد عناء، وتركه ... بلاء، فما أدري به كيف أصنع

إذا زرته يومين ملّ زيارتي ... وإن غبت عنه ظلّت العين تدمع

وقول الضحاك بن همام الرقاشي: [الطويل]

وأنت امرؤ منّا خلقت لغيرنا ... حياتك لا ترجى وموتك فاجع

وأنت على ما كان منك ابن حرّة ... وإني لما يرضى به الخصم مانع

وفيك خصال صالحات يشينها ... لديك جفاء عنده الودّ ضائع

وقال بعض المحدثين: [الطويل]

إذا ساءني في القول والفعل جاهدا ... وفي كلّ حال من أحبّ وأمحض [1]

فيا ليت شعري ما يعاملني به ... على كلّ ذنب من أعادي وأبغض

وقال أبو العباس المبرّد: وكان أحمد بن المعذّل من الأبّهة، والتمسك بالمنهاج، والتجنّب للعبث، والتعرّض للإشفاق لما في [2] أيدي الناس، وإظهار الزّهد فيه، والتباعد عنه، على غاية، حتى حمل في فقهاء وأدباء من أهل البصرة، فأخذ الصلة غير ممتنع ولا منكر. ووصله إسحاق بن إبراهيم فقبل، واستدعى اجتباءه إيّاه، وتحلّى له جهده، فقال عبد الصمد: [الوافر]

عذيري من أخ قد كان يبدي ... على من لابس السلطان عتبه

وكان يذمّهم في كلّ يوم ... له بالجهل والهذيان خطبه

فلمّا أن أتته دريهمات ... من السلطان باع بهنّ ربّه

وقال فيه: [مجزوء الخفيف]

لي أخ لا ترى له ... سائلا غير عاتب

(1) أمحض لفلان الودّ: أخلصه إياه وجملة من أحبّ وأمحض في محلّ رفع فاعل «ساءني» .

(2) يريد أن يقول: والتعرض لما في أيدي الناس لأجل الإشفاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت