فهرس الكتاب

الصفحة 689 من 993

قالت شريرة ما لجفنك ساهرا ... قلقا، وقد هدأت عيون النّؤم

ما قد رأيت من الزمان أحلّ بي ... هذا، وتحت الصّدر ما لم تعلمي

يا نفس، صبرا للزمان وريبه ... فهو المليء بما كرهت فسلّمي

إنّ الذي حاز الفضائل كلّها ... هو ذاك في قعر الضريح المظلم

أما السيوف فمن صنائع بأسه ... لولاه لم يروين من سفك الدّم

وكأنّ أحداث الزمان عبيده ... فمتى يؤخّرهن لا تستقدم

يقظان من سنة المضيّع قلبه ... ومعوّل للمعول المتظلّم

يرعى الضغائن قبل ساعة فرصة ... فإذا رآها أمكنت لم يحجم

كم فرصة تركت فصارت غصّة ... تشجى بطول تلهّف وتندّم

ولربّ كيد ظلّ يسجد بعدها ... في بشر وجه مطلق متجهّم

وهي المنايا إن رمين بنبلها ... يرمين في نفس الأجلّ الأعظم

لله درّك أي ليث كتيبة ... والخيل تعثر بالقنا المتحطّم

ولقد عمرت ولا حريم معاند ... حرم ولا الإسلام بالمستسلم

وقال للمعتضد يعزّيه بابنه هارون: [البسيط]

يا ناصر الدين إذ هدّت قواعده ... وأصدق الناس في بؤسى وإنعام

وقائد الخيل مذ شدّت مآزره ... مذلّلات بإسراج وإلجام

كأنهنّ قنا ليست لها عقد ... يهزّها الزّجر في كرّ وإقدام

قبّ كطيّ ثياب العصب مضمرة ... تقرّب النار بين البيض والهام [1]

وسائس الملك يرعاه ويكلؤه ... إذا حلا الغمض في أجفان نوّام

تمري أنامله الدنيا لصاحبها ... ونصله من عداه قاطر دامي [2]

كالسّهم يبعثه الرّامي فصفحته ... تلقى الرّدى دونه، والفوق للرامي [3]

لا يشتكي الدّهر إن خطب ألمّ به ... إلّا إلى صعدة أو حدّ صمصام [4]

صبرا فديناك إنّ الصبر عادتنا ... وإن طوينا على حزن وتهيام

فبادر الأجر نحو الصّبر محتسبا ... إنّ الجزوع صبور بعد أيام

ولما ماتت دريدة، وهي جارية [المعتضد، و] كانت مكينة عنده، جزع عليها جزعا شديدا، فقال له عبيد الله بن سليمان: مثلك يا أمير المؤمنين تهون عليه المصائب لأنّك تجد من كل فقيد خلفا، وتنال جميع ما تريد من العوض، والعوض لا يوجد منك، فلا ابتلى الله الإسلام بفقدك، وعمره بطول بقاء عمرك، وكأنّ الشاعر عنى أمير المؤمنين بقوله: [البسيط]

يبكى علينا ولا نبكي على أحد ... لنحن أغلظ أكبادا من الإبل

فضحك المعتضد وتسلّى وعاد إلى عادته.

قال محمد بن داود الجراح: فلقيني عبيد الله فأخبرني بذلك، وقال: أردت شعرا في معنى البيت الذي أنشدته فما وجدته فقلت له: قد قال البطين البجلي: [الطويل]

طوى الموت ما بيني وبين أحبّة ... بهم كنت أعطي من أشاء وأمنع

فلا يحسب الواشون أنّ قناتنا ... تلين، ولا أنّا من الموت نجزع

ولكنّ للألّاف لا بدّ لوعة ... إذا جعلت أقرانها تتطلّع

فكتبه، وقال: لو حفظته لما عدلت عنه.

(1) قبّ: دقيقة الخصور. العصب: ضرب من البرود. محيط المحيط (قبب) و (عصب) .

(2) تمري: أصل القول: مرى الناقة يمريها، أي: مسح ضرعها لتدرّ. محيط المحيط (مرى) .

(3) الفوق: موضع الوتر من السهم. محيط المحيط (فوق) .

(4) الصّعدة: القناة المستوية، والمراد الرمح. والصّمصام: السيف لا ينثني. محيط المحيط (صعد) و (صمصم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت