إلى غلام جميل، فقال: ويحك! إنّ طرفك لعظيم ما اجتنى من البلاء قد عرّضك للمكروه وطول العناء، لقد نظرت إلى حتف قاتل للقلوب، وبلاء مظهر للعيوب، وعار فاضح للنفوس، ومكروه مذهل للعقول، أكلّ هذا الاغترار بالله جرّأك عليه حتى أمنت مكره، ولم تخف كيده؟ اعلم أنك لم تكن في وقت من أوقاتك، ولا حالة من حالاتك، أقرب إلى عقوبة الله منك في حالتك هذه، ولو أخذك لم يتخلّصك الثقلان، ولم يقبل فيك شفاعة إنس ولا جان.
ونظر محمد بن ضوء الصوفي إلى رجل ينظر إلى غلام مليح، فقال: كفى بالعبد نقصا عند الله، وضعة عند ذوي العقول، أن ينظر إلى كل ما سنح له من البلاء.
ونظر [أبو] مسلم الخشوعي فأطال النظر، فقال: إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. ثم قال: سبحان الله! ما أهجم طرفي على مكروه نفسه، وأدمنه على تسخّط سيده، وأغراه بما نهى عنه، وألهجه بما حذّر منه! لقد نظرت إلى هذا نظرا شديدا خشيت أنه سيفضحني عند جميع من يعرفني في عرصة [1]
القيامة ولقد تركني نظري هذا وأنا أستحي من الله تعالى إن غفر لي! ثم صعق.
ونظر غالب المضرور إلى غلام جميل على فرس رائع، فقال: لا أدري بم أداوي طرفي، ولا بم أعالج قلبي؟ ما أتوب إلى الله من ذنب إلّا رجعت فيه، ولا أستغفره من أمر إلّا أتيت أعظم منه، حتى لقد استحييت أن أسأله المغفرة لما يلحق قلبي من القنوط من عفوه، لعظيم حالي بالمنكر الذي أصنعه. فقال له قائل: وأيّ منكر أتيت؟ فقال: أتريد مني أكثر من نظري هذا؟ والله لقد خشيت أن يبطل كلّ عمل قدمته، وخير أسلفته، ثم بكى حتى ألصق خدّه بالأرض.
ورأى بعض الزهّاد صوفيّا يضحك إلى غلام جميل، فقال له: يا خارب القلب، ويا مفتضح الطرف أما تستحي من كرام كاتبين، وملائكة حافظين، يحفظون الأفعال، ويكتبون الأعمال، وينظرون إليك، ويشهدون عليك، بالبلاء الظاهر، والغلّ الدخيل المخامر، الذي أقمت نفسك فيه مقام من لا يبالي من وقف عليه، ونظر من الخلق إليه.
وقال أبو حمزة بن إبراهيم: قلت لمحمد بن العلاء الدمشقي وكان سيد المتصوفة، وقد رأيته يماشي غلاما وضيئا مدة ثم فارقه: لم هجرت ذلك الفتى بعد أن كنت له مواصلا، وإليه مائلا؟ فقال: والله، لقد فارقته من غير قلى [2] ولا ملل ولقد
(1) العرصة: ساحة الدار. محيط المحيط (عرص) .
(2) القلى: البغض والكراهية. محيط المحيط (قلا) .