فهرس الكتاب

الصفحة 804 من 993

وشكا الحجاج يوما سوء طاعة أهل العراق، وسقم مذهبهم، وسخط طريقتهم، فقال له جامع المحاربي: أما إنهم لو أحبّوك لأطاعوك، على أنهم ما شنئوك لبلدك، ولا لذات يدك، إلّا لما نقموه من أفعالك فدع ما يبعدهم عنك إلى ما يدنيهم منك، والتمس العافية ممن دونك تعطها ممن فوقك، وليكن إيقاعك بعد وعيدك، ووعيدك بعد وعدك ثلاثا.

فقال له الحجاج: والله ما أرى أن أردّ بني اللّخناء إلى طاعتي إلّا بالسيف. فقال جامع: أيها الأمير، إنّ السيف إذا لاقى السيف ذهب الخيار. قال الحجاج: الخيار يومئذ لله. قال جامع: أجل، ولكن لا ندري لمن يجعله الله. فغضب الحجاج وقال: يا هناه، إنك من محارب، فقال جامع: [الطويل]

وللحرب سمّينا وكنّا محاربا ... إذا ما القنا أمسى من الطعن أحمرا

فقال له الحجاج: والله لقد هممت أن أخلع لسانك، فأضرب به وجهك. فقال جامع: إن صدقناك أغضبناك، وإن كذبناك أغضبنا الله. فقال الحجاج: أجل، وسكن سلطانه، وشغل ببعض الأمر، وخرج جامع وانسلّ من صفوف الناس، وانحاز إلى جبل العراق.

وكان جامع لسنا مفوّها، وهو الذي يقول للحجاج حين بنى واسطا: بنيتها في غير بلدك، وأورثتها غير ولدك.

وكان الحجاج من الفصحاء البلغاء، ويقال: ما رئي حضريّ أفصح من الحجاج ومن الحسن البصري. وكان يحبّ أهل الجهارة والبلاغة، ويؤثرهم ويقربهم.

ولما دخل أيوب بن القرّية على الحجاج وكان فيمن أسر من أصحاب عبد الرحمن بن الأشعث بن قيس الكندي قال له: ما أعددت لهذا الموقف؟ قال: ثلاثة حروف، كأنّها ركب وقوف: دنيا، وآخرة، ومعروف.

فقال له الحجاج: بئسما منّيت به نفسك يا ابن القرّية، أتراني ممن تخدعه بكلامك وخطبك؟ والله لأنت أقرب إلى الآخرة من موضع نعلي هذه.

قال: أقلني عثرتي، وأسغني ريقي، فإنه لا بدّ للجواد من كبوة، والسيف من نبوة، والحليم من صبوة.

قال: أنت إلى القبر أقرب منك إلى العفو، ألست القائل وأنت تحرّض حزب الشيطان، وعدوّ الرحمن: تغدّوا بالحجاج قبل أن يتغشّى بكم؟ وقد رويت هذه اللفظة للغضبان بن القبعثرى. ثم قدمه فضرب عنقه.

قال الخريمي لأبي دلف وأخذه من قول ابن القّرية: [المتقارب]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت