تهدي إليه قريش نعش سيّدها ... فثمّ حلّ الندى والعزّ والخير [1]
أبا المغيرة، والدنيا مفجّعة ... وإنّ من غرّت الدنيا لمغرور
قد كان عندك للمعروف عارفة ... وكان عندك للنّكراء تنكير [2]
وكنت تغشى فتعطي المال من سعة ... فالآن بابك أمسى وهو مهجور
ولا تلين إذا عوشرت معتسرا ... وكان أمرك ما يوسرت ميسور
لم يعرف الناس مذ غيّبت فتيتهم ... ولم يجلّ ظلاما عنهم نور [3]
فالناس بعدك قد خفّت حلومهم ... كأنما نفّخت فيها الأعاصير
أخذ هذا البيت من قول مهلهل بن ربيعة في أخيه كليب، وكان إذا انتدى لم تحلّ حبوته [4] ، ولم ينطق أحد إلّا مجيبا له، إجلالا ومهابة: [الكامل]
أنبئت أنّ النار بعدك أوقدت ... واستبّ بعدك يا كليب المجلس
وتحدّثوا في أمر كلّ عظيمة ... لو كنت حاضر أمرهم لم ينبسوا
وكان حارثة ذا بيان وجهارة [وأدب] ، وكان شاعرا عالما بالأخبار [والأنساب] ، وكان قد غلب على زياد، وكان حارثة منهوما في الشراب، فعوتب زياد في الاستئثار به، فقال: كيف أطّرح رجلا يسايرني مذ دخلت العراق، ولم يصكك ركابه ركابي، ولا تقدّمني فنظرت إلى قفاه، ولا تأخّر عني فلويت عنقي إليه، ولا أخذ عليّ الشمس في شتاء قطّ، ولا الرّوح في صيف، ولا سألته عن باب في العلم إلّا قدّرت أنه لا يحسن غيره.
وقال له زياد: من أخطب؟ أنا أم أنت؟ فقال: الأمير أخطب إذا توعّد أو وعد، وبرق ورعد، وأنا أخطب في الوفادة، والثناء، والتحبير، وأنا أكذب إذا خطبت، وأحشو كلامي بزيادات [مليحة] شهيّة، والأمير يقصد إلى الحقّ، وميزان العدل، ولا يزيد في كلامه، ولا ينقص منه.
فقال له زياد: [قاتلك الله!] لقد أجدت تخليص صفتي وصفتك.
ولمّا مات زياد جفاه عبيد الله [ابنه] ، فقال [له حارثة: أيها الأمير، ما هذا الجفاء مع معرفتك بالحال عند أبي المغيرة؟ فقال له عبيد الله] : إن أبا المغيرة بلغ مبلغا لا يلحقه فيه
(1) الخير، بكسر الخاء وسكون الياء: الكرم والشرف. محيط المحيط (خير) .
(2) العارفة: العطية. محيط المحيط (عرف) .
(3) الفتيا: ما أفتى به العالم. محيط المحيط (فتي) .
(4) انتدى: اجتمع في النادي. الحبوة: ما يحتبي به الرجل من عمامة أو ثوب. محيط المحيط (ندا) و (حبا) .