فهرس الكتاب

الصفحة 847 من 993

فقيل له: إنه قد عشق، فقال: دعوه فإنه يلطف، وينظف، ويظرف.

وقال الفضل بن أحمد بن أبي طاهر، واسم أبي طاهر طيفور: وصف الهوى قوم وقالوا: إنه فضيلة، وإنه ينتج الحيلة، ويشجّع قلب الجبان، ويسخّي قلب البخيل، ويصفّي ذهن الغبي، ويطلق بالشّعر لسان المفحم، ويبعث حزم العاجز الضعيف، وإنه عزيز تذلّ له عزّة الملوك، وتضرع فيه صولة الشجاع، وتنقاد له طاعة كل ممتنع، ويذلّل كلّ مستصعب، ويبرز كل محتجب، وهو داعية الأدب، وأول باب تفتّق به الأذهان والفطن، وتستخرج به دقائق المكايد والحيل، وإليه تستريح الهمم، وتسكن نوافر الأخلاق والشّيم، يمتّع جليسه، ويؤنس أليفه، وله سرور يجول في النفس، وفرح مستكن في القلب، وبه يتعاطف أهل المودّة، ويتّصل أهل الألفة، وعليه تتألّف الأشكال، وله صولات على القدر، ومكايد تبطل لطائف الحيل، وظرف يظهر في الأخلاق والخلق، وأرواح تسطع من أهلها، وتعبق من ذويها.

وقال اليماني بن عمرو مولى ذي الرياستين: كان ذو الرياستين يبعث بي وبأحداث من أهله إلى شيخ بخراسان ويقول: تعلّموا منه الحكمة فكنّا نأتيه، وإذا انصرفنا من عنده اعترضنا ذو الرياستين يسألنا عمّا أفادنا فنخبره فسرنا إلى الشيخ يوما فقال لنا: أنتم أدباء، وقد سمعتم الحكمة، وفيكم أحداث، ولكم نعم، فهل فيكم عاشق؟ قلنا: لا، قال: اعشقوا فإنّ العشق يطلق الغبيّ، ويفتح جبلّة البليد [1] ، ويسخّي كفّ البخيل، ويبعث على النظافة وحسن الهيئة، ويدعو إلى الحركة والذكاء، وشرف الهمّة وإياكم والحرام.

قال: فانصرفنا، فسألنا عمّا أفادنا في يومنا فهبناه أن نخبره، فعزم علينا. فقلنا له:

أمرنا بكذا وكذا، قال: صدق، أتعلمون من أين أخذ هذا الأدب؟ قلنا: لا. قال: إنّ بهرام جور كان له ابن رشّحه للملك من بعده، فنشأ ساقط الهمّة، خامل المروءة، دنيء النفس، سيّىء الأدب، كليل القريحة، كهام الفكر [2] فغمّه ذلك، ووكّل به من المؤدّبين والمنجّمين والحكماء من يلازمه ويعلّمه، وكان يسألهم فيحكون له ما يسوءه، إلى أن قال له بعض مؤدّبيه: قد كنّا نخاف سوء أدبه فحدث من أمره ما صرنا إلى اليأس منه، قال: وما ذلك؟ قال: رأى ابنة فلان المرزبان فعشقها فغلبت عليه، فهو لا يهذي إلّا بأمرها، ولا يتشاغل إلّا بذكرها، فقال بهرام جور: الآن رجوت صلاحه.

(1) جبلّة البليد: طبيعته. محيط المحيط (جبل) .

(2) كهام الفكر: ضعيفه. محيط المحيط (كهم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت