فهرس الكتاب

الصفحة 859 من 993

ذلك بمستبعد ولا مستنكر، ولا مستصعب ولا متعذّر إذ كانت قدرة الله بذلك محيطة، ومواعيده لأمثاله ضامنة بما أعدّه الله في الجنة لعباده الصادقين، وأوليائه الصالحين من شهوات أنفسهم وملاذّ أعينهم، وما هو سبحانه مع غامر فضله وفائض كرمه، بمانعه ذلك مع صالح مساعيه، ومحمود شيمه وقلبي متعلّق بمعرفة خبره، أدام الله عزّه فيما ادّرعه [1] من شعار الصبر، واحتفظ به من إيثار الأجر، ورفع إليه من السكون لأمر الله تعالى في الذي طرقه، والشكر له فيما أزعجه وأقلقه، فليعرفني القاضي من ذلك ما أكون ضاربا معه بسهم المساعدة عليه، وآخذا بقسط المشاركة فيه.

فصل من جواب أبي بكر: وصل توقيع سيّدنا الوزير أطال الله بقاه، وأدام تأييده ونعماه، وأكمل رفعته وعلاه، وحرس مهجته ووقاه، بالتعزية عن الثور الأبيض، الذي كان للحرث مثيرا، وللدواليب مديرا، وبالسبق إلى سائر المنافع شهيرا، وعلى شدائد الزمان مساعدا وظهيرا [2] . لعمرك لقد كان بعمله ناهضا، ولحماقات البقر رافضا، وأنّى لنا بمثله وشرواه [3] ، ولا شروى له فإنه كان من أعيان البقر، وأنفع أجناسه للبشر، مضاف ذلك إلى خلّات لولا خوفي من تجدّد الحزن عليه، وتهييج الجزع وانصرافه إليه لعددتها ليعلم أدام الله عزّه أنّ الحزين عليه غير ملوم. وكيف يلام امرؤ فقد من ماله قطعة يجب في مثلها الزكاة، ومن خدم معيشته بهيمة تعين على الصوم والصلاة، وقد احتذيت ما مثّله الوزير من جميل الاحتساب، والصبر على المصاب فقلت: {إِنََّا لِلََّهِ وَإِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ} [4] ، قول من علم أنه أملك لنفسه وماله وأهله، وأنه لا يملك شيئا دونه إذ كان جلّ ثناؤه، وتقدّست أسماؤه، هو الملك الوهّاب، المرتجع ما ارتجع ممّا يعوض عليه نفيس الثواب. وقد وجدت أيّد الله الوزير للبقر خاصة فضيلة على سائر بهيمة الأنعام، تشهد بها العقول والأفهام، وذكر جملة من فضائلها.

وكأنّ أبا نواس في قوله: [السريع]

ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد

نظر في هذا المعنى إلى قول جرير [5] : [الوافر]

إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلّهم غضابا

(1) ادّرع الرجل: لبس الدرع. محيط المحيط (درع) .

(2) الظهير: المعين. محيط المحيط (ظهر) .

(3) الشّروى، بفتح الشين والواو وسكون الراء: المثل. محيط المحيط (شرى) .

(4) سورة البقرة 2، الآية 156.

(5) وفيات الأعيان (ج 1ص 321) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت