غزوها مساعدة وإسعادا، ومرافدة وإرفادا، ولا شطط، فكلّ قادر على قدرته، وحسب ثروته. ولا أستكثر البدرة، ولا أردّ التمرة، وأقبل الذّرة، ولكل مني سهمان، سهم أذلّقه [1] للّقاء، وسهم أفوّقه [2] بالدّعاء، وأرشق به أبواب السماء، عن قوس الظلماء.
قال عيسى بن هشام: فاستفزّني رائع ألفاظه، وسروت جلباب النوم [3] ، وعدوت إلى القوم، وإذا والله شيخنا أبو الفتح الإسكندري، بسيف قد شهره، وزيّ قد نكره فلمّا رآني غمزني بعينه وقال: رحم الله امرأ أحسن حدسه وملك نفسه، وأغنانا بفاضل قوله، وقسم لنا من نيله! ثم أخذ ما أخذ، فقمت إليه فقلت: أنت من أولاد بنات الروم؟ فقال:
[مجزوء الخفيف]
أنا حالي مع الزما ... ن كحالي مع النسب
نسبي في يد الزما ... ن إذا سامه انقلب
أنا أمسي من النبي ... ط وأضحي من العرب
قال سليمان بن عبد الملك: ما سألني أحد قطّ مسألة يثقل عليّ قضاؤها، ولا يخفّ عليّ أداؤها، بلفظ حسن يجمع له القلب فهمه إلّا قضيتها، وإن كانت العزيمة نفذت في منعه، وكان الصواب مستقرّا في دفعه، ضنّا بالصواب أن يردّ سائله، أو يحرم نائله.
وقال أبو عبيدة: كان أبو قيس بن رفاعة يفد سنة إلى النعمان بن المنذر اللخمي وسنة إلى الحارث بن أبي شمر الغسّاني، فقال له الحارث يوما وهو عنده: يا ابن رفاعة، بلغني أنك تفضّل النعمان عليّ! قال: كيف أفضّله عليك، أبيت اللعن؟ فوالله لقفاك أحسن من وجهه، ولأمّك أشرف من أبيه، [ولآباؤك أشرف من جميع قومه] ، ولأمسك أفضل من يومه، ولشمالك أجود من يمينه، ولحرمانك أنفع من بذله، ولقليلك أكثر من كثيره، [ولثمادك أغزر من غديره، ولكرسيّك أرفع من سريره، ولجدولك أغمر من بحوره، وليومك أفضل من شهره، ولشهرك أشرف من حوله، ولحولك خير من حقبه، ولزندك أورى من زنده، ولجندك أعزّ من جنده، ولهزلك أصوب من جدّه، وإنك لمن غسّان أرباب الملوك، وإنه لمن لخم كثيري النوك! فعلام أفضّله عليك؟ وقد روى مثل هذا الكلام للنابغة الذبياني مع النعمان بن المنذر.
(1) يقال: ذلّق السكين: أي حدّده. محيط المحيط (ذلق) .
(2) فوّق السّهم: جعل له فوقا، والفوق: موضع الوتر من السهم. محيط المحيط (فوق) .
(3) سرا الثوب عنه: ألقاه وكشفه. محيط المحيط (سرو) .