معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 5، ص: 88
قال الحربي: أخبرني من نثق به أنّ رجلا كان إماما بجامع الزيتونة بالقيروان، فذهب يوم الجمعة لصلاتها والخطبة، فعرضه في طريقه الشيخ سيدي عبد العالي وهو يشرب في السّبسي (1) ، فانتقد عليه في سرّه وقال: هذا مجنون، بخّر ثيابي بهذه الرائحة الخبيثة، وأنا رائح (2) إلى المسجد، فلما فرغ المؤذن، قام على المنبر يخطب فلم يتيسّر له، ولم يفتح عليه بشي ء، وفقد جميع ما عنده من العلم، فعلم أنه أخذ من اعتراضه على الشيخ فأناب غيره في الخطبة والصلاة، وذهب إلى الشيخ وصار يتمرّغ (3) عليه ويقول له: يا سيدي سامحني فأنا تائب إلى اللّه، فردّ إلي علمي فقال له الشيخ: اذهب إلى جبانة الغرباء، فإذا وصلت إلى القبر الفلاني يخرج لك بوكشاش ويقف قدّامك فقل له: يا بو كشاش يقول لك عبد العالي: رد علي علمي، فذهب إلى الجبانة فلما وصل إلى القبر الذي عيّنه له، خرج له بوكشاش ووقف قدّامه فقال له المقالة المذكورة فكش في وجهه فرجع له ما فقده من العلم في حينه.
قلت: ومثل هذه كثيرا ما وقعت للأولياء على ما حكاه سيدي عبد الوهاب الشعراني وغيره ومثلها وقعت من شيخنا سيدي عبد القادر الجيلي، سلب جماعة من العلماء جاءوا ليمتحنونه انظرها في البهجة.
قال الحربي: وأخبرني من نثق به أن الشيخ سيدي عبد العالي قصد زيارة الشيخ البركة سيدي عمر الكناني نفعنا اللّه ببركاته، فصنع خبزة، واشترى دوّارة (4) وجعلها طاجينا (5) في الفرن، وذهب بها للزاوية، فلما وصل للضريح وكان الوقت مساء جاءه خديمه وقال له: يا سيدي لحقنا كثير من الناس من أهل القيروان نحو الأربعمائة إنسان، فقال له الشيخ: يلزمنا عشاؤهم، هات تلك الخبزة والطاجين، فأتاه بهما وكسّر الخبزة قطعا وغطاهما بثوبه وصار يخرج لكل إنسان كسرة وعصبانة والخديم يفرق على الناس حتى لم يبق أحد، فجاء للشيخ وقال له: لم يبق أحد إلا
(1) السّبسي: هو عود مثقوب الوسط مصنوع من عود نبات الدّفلة يستعمل في تدخين الكيف وهي عشبة الحشيش.
(2) رائح: بمعنى ذاهب.
(3) يتمرغ: كلمة عامية، بمعنى يتقلب.
(4) دوّارة: أحشاء البهائم كالبقر، والغنم، والإبل وغيرها.
(5) طاجينا: صحن مصنوع من الطين.