معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 126
أر مثلهم مرّوا على دكاكين الجامع، وفي أيديهم بطائق وهم يكتبون فقال لي قائل منهم: لقد غفر اللّه لكل من حضر هذا الجنازة حتى عبدي أبي حبوس، وكانا ممن حضرها ودفن بباب نافع جوار قبر السبائي، وسحنون رضي اللّه عنهم.
قلت: قبره عند رجلي السبائي، ولا شك أنه جوار لهما وهو مزار رحمه اللّه تعالى.
قال: جمع الفقه الحسن، والأحوال السّنّيّة، وسرعة الإجابة والتواضع، وعلم الأحكام، والنوازل، والوثائق، وكان مفتي الحاضرة والبادية مع نزاهة، وقلة رغبة، وعفّة وطهارة صدر، وحسن خلق، سريرته أشبه شيء بعلانيته، من العلماء الرّاسخين المقتدى بهم في الدين، وله مسائل في نوازل كثيرة.
قلت: ومعلوم اختلافه مع صاحبه الشيخ أبي محمد بن أبي زيد في بعض مسائل المدوّنة، فكان هو رحمه اللّه لا يتأوّلها ويجملها على ظاهرها، ورأى أن ذلك أسلم له، وكان أبو محمد يفسّرها على المعنى، فيتأولها كقول المدوّنة في مسح الخفّين، أرانا مالك فوضع يده اليمنى على ظاهر أطراف أصابع رجله اليمنى واليسرى تحتها من باطن خفّه فأمرهما إلى حذو الكعبين ولم يبيّن لهم صفة رجله اليسرى. فقال ابن شبلون: صفة مسحها كاليمنى، ولو كانت مخالفة لها لبيّنها مالك. وقال أبو محمد: بل صفة مسحها على العكس، لأنّه أمكن في التّناول، وإنما لم يبينه مالك لوضوحه.
قال: وكان يفتي كلّ يوم في مائة مسألة وأقل وأكثر.
قلت: وكان شيخنا أبو الفضل البرزلي يحمله على أنه يجيب فيها بلسانه، لا أنه بالكتب لأنه لا يطيق ذلك، مع ما هو فيه من إقراء العلم، وكنت أقول له:
الصّواب أنه يجيب فيها بخطّه لا بلفظه لأهل البلدان بسائر إفريقية، ولذلك ذكر له
(1) ترجم له في ترتيب المدارك: 4/ 528، الديباج المذهب ص: 259، شجرة النور الزكية 1/ 144 رقم 266، معجم المؤلفين 5/ 109، كتاب العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين 2/ 656 - 657.