معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 184
قلت: ورثى بمراث كثيرة تركتها خشية الإطالة وظهرت للشيخ أبي إسحاق بركات في زمامنا.
قال: كان إمام جامع القيروان، وكان من أهل العلم، والدين، والفضل، والعبادة، وقيام الليل، وقلّة الكلام، لا يكاد يتكلم في أحد، مشغولا بعبادته، وكان عالما بعلوم القرآن، انتفع على يديه خلق كثير، لأنه كان يقرأ عليه من سدس الليل الآخر إلى الضّحى، ومن العصر إلى الليل، وهو معدود في جملة العباد، مجمع على دينه وفضله، وهو من أصحاب أبي عبد اللّه بن سفيان المغربي، توفي في الخامس من شعبان سنة سبع وأربعين وأربعمائة، ودفن بباب سلم وقبره معلوم رحمه اللّه تعالى.
300 -ومنهم أبو بكر عتيق السوسي رحمه اللّه تعالى:
قال: جمع العلم، والعبادة، والزّهد، والورع، والتقشف، وكبر الهمة من الفقهاء المبرزين، والحفّاظ المعدودين، وكان حافظا للفقه، والحديث، عارفا بمعانيه، عالما بالنحو، واللغة، مع دين متين، وورع حاجز، وهو الذي صلّى على أبي عمران الفاسي فأعلم المعزّ بمكانه من الدين والعلم، وأخبر بفقره، وأنه لا مسكن له، فبعث إليه بمال يشتري به دارا فقال أبو بكر للرسول: ما كان أغناني عن الصلاة على أبي عمران التي عرفت بيني وبينك! وقال ردّها عليه وقل له: يدفعها لأربابها فإن لم يعلم أربابها تصدق بها على الفقراء، فأعلم الرسول المعزّ بما قال، فبعث إليه كتبا جليلة مثل المدونة، والنوادر، والموازية، وغيرهما مما له قيمة كثيرة عن رءوس الحمالين، فلما وصل إليه الرسول أغلق الباب في وجهه، فلم يزل يلاطفه وقال له: يقول لك المعزّ: هذه الكتب في خزانتنا ضائعة وبقاؤها عندنا مما يزيدها ضياعا وأنت أولى باقتنائها، فقال له: اكتب على كل جزء منها «حبس على طلبة العلم» . فكتب ذلك، فلما بلغ المعزّ ذلك، قال: أردنا أمرا فغلبنا فيه، وكان رحمه اللّه مرة يفتي، ومرة لا يفتي، وذلك من شدة ورعه، لأنه كان مرة يعتقد وجوب الفتوى عليه ومرة لا يعتقد وجوبها عليه فلا يفتي.