معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 5، ص: 164
طولها ذراع ونصف، فمسكها، ثم أخذت أخرى طولها ذراعان ونصف وقلت له:
هذه أكبر، فقال: لا أولها أبركها، فعجبت لرده للسورية فأتيته بغيرها فردها وهكذا واحدة بعد واحدة. ثم إن الأخيرة لما ردها إلي تركتها بالدار لأني من عنده، أتيت إلى الدار، ثم إني صممت في ضميري أنها لما خرجت للّه أبقيها في الدار حتى يأتيني صاحبها الذي يطلبها مني، ثم إني في عشية ذلك اليوم خرجت أزور بالجناح، فلما رجعت وجدت الشيخ قد مات فأخبروني عليه أنه لما قرب موته جاء إلى تنورة النار بالفرناج المذكور، وجرّد نفسه من الثياب، وما بقيت إلا عورته المغلظة مستورة حتى مات.
قلت: الشيخ يعض بهذا نفسه عند هذه الغصرة الكبرى بنار الدنيا ثم إني تحققت أن الشيخ يرد في السورية مرارا ولم يقبلها أنه يريد كفنه من عندي، ولم يرد اللّه به، وإنما كفنه حاكم الوقت ولم يكن لي أن أزاحمه فيه، ولا يتأتى أن بذلته لتقديمه على كفني كفنه، ثم لما مات بعد يومين أتاني الشيخ ناموس فقال لي:
أعطيني سوريتي؟ فقلت: أين هي سوريتك؟ فقال: عندك في الصندوق، فأعطيتها له وهي كرامة للشيخ ناموس نفعنا اللّه بهما وسأذكرها في ترجمته، وإن هذا الشيخ حمودة له أخ مثله في الجذب، أخبرني عنه أنه تأتيه الوحوش والطيور، وتقف بين يديه بالبرية كما أخبرني كثير من عرشهما؛ أن بيتهم منزهة عما يفعله قومهم من أجدادهم الأول. وتوفي الشيخ حمودة المذكور رحمه اللّه في الرابع من ربيع الأنور بمولده صلّى اللّه عليه وسلم موفي فورار عام واحد وستين ومائتين وألف ودفن بجبانة الزيادنة قبلة الشيخ عيسى جدهم ودفن أخوه جواره رحمهما اللّه.
قلت في الديباجة: قاض لإنفاذ الأحكام بإمضاء وإبرام جاريا يقوي العزم في سيرته بغاية الحزم، وهو في جده كسميه العلامة جده معتمدا بإقدامه على الأجوبة في أحكامه وهو من كبار العلماء كابرا عن كابر في الفتاوى والأقضية وارتقاء المنابر، استولى القضاء ومكث مدة كثيرة وجرى فيه بأحسن سيرة، ولما استعفى من القضاء، مكث أعواما واستولى الفتيا ثم بعد زمان، ولي ابنه العالم العامل الخير الفاضل أبو عبد اللّه الشيخ محمد بالفتح، ففي ذلك الزمان كان في القيروان ابتهاج