معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 5، ص: 23
و ثمانمائة، ومات أخوه قريبا منه، ودفن بتونس عاملهما اللّه بالعفو، والغفران، وأسكنهما فسيح الجنان.
قال الشيخ أبو القاسم بن ناجي ناقلا عن شيخه: إنّ الشّيخ الكناني من الأكابر لا شك في فضله، فإنّ أعماله كانت خالصة لوجه اللّه تعالى قال: وجرت عليه محنة وعلى شيخه أبي الربيع سليمان (1) بن سالم النفوسي الذي زاويته بقرب مسجد الأنصار، وسببها أنّ بعض المعادين لهما، عمل فيهما رسما بالشهادة العادلة، بأنهما خارجين عن اعتقاد أهل السّنّة، وبعثوا بالرسم لقاضي الجماعة بتونس وهو أبو علي ابن عبد الرفيع فرفعه إلى الخليفة أبي إسحاق الحفصي (2) ، وهو إذ ذاك صغير، وبين يديه كبير الوزراء أبو محمد عبد اللّه بن تافراجين، يبعث لهما بالوصول فزارا قبور مشيخة القيروان خارج البلد وداخلها، وأكثرا من الدّعاء عندهم ليفرّج اللّه عنهما ما نزل بهما، وبعد ذلك خرجا لقبور مشيخة السّاحل. فلما وصلا إلى قبر الشيخ أبي إسحاق الجبنياني وسلّما ورحّما. قال الشيخ أبو الربيع: يا سيدي أنا رجل غريب وردت على القيروان، نطعم الطعام ونذب على أهلها وعن وطنها فحبسونا، وعمل في وفي صاحبي هذا رسما بكذا وكذا بالباطل، اللهم ببركة ما قرأ هذا الشيخ، وقرئ عليه، فرّج عنّا، واجعل لنا من أمرنا فرجا ومخرجا. وكان تضرعه، ودعاؤه، بصوت قوي، ويبكي وينحب وينصرف عن القبور ويرجع، ويكرر ذلك الكلام ويقول: يا شيخي ما نقصد غيرك فعل ذلك مرارا. قال: قالا: فلما انصرفنا من عنده، وقصدنا جهة القيروان، وإذا بخبر أخبرنا أن ابن تافراجين وصل إلى المهدية ليتحصّن فيها، لأن تونس وصلت إليها افروطة في البحر من عند سلطان المغرب وهو أبو عنان (3) المريني فقالا نصل إليه بالمهدية لئلا يلومنا بعد ذلك، إذا بلغه
(1) ترجم في معالم الإيمان رقم (372) .
(2) قال ابن أبي زرع في كتابه القرطاس: وكان بنو حفص في الموحدين أهل الفضل والتّقى والدين، وإلى بيتهم عاد في المشرق أمر الموحدين ص: 295. وقال ابن خلدون في تاريخه:
و كان كبيرهم لعهد الإمام المهدي الشيخ أبو حفص عمر. تاريخ ابن خلدون 6/ 326.
(3) توفي السلطان أبي عنان المريني خنقا، خنقه وزيره الحسن بن عمر الفودودي سنة 759 ه.
و سنه يوم قتل ثلاثون سنة. ترجم في روضة النسرين في دولة بني مرين لإسماعيل بن الأحمر ص: 40، والاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى 3/ 181 - 208.