معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، ص: 29
و ذكر العواني جميعها، ولكن في نسخته بخط يده محو، ولم يجد غيرها رحمة اللّه عليه ورضي عنه.
قال [العواني] (1) : كان فقيها فاضلا، من أهل العناية بالعلم، حافظا للفقه، عالما بالقضاء، ولي ولايات كثيرة، فسار بأحسن سيرة، وأقوم طريقة، وكان محترما في قضائه، صلبا في الحقّ، صارما في أموره كلّها، متبركا بالصّالحين. توفّي سنة 682 ه رحمه اللّه تعالى ورضي عنه.
344 -ومنهم أبو رحمة غيث بن قاسم الحكيمي المتعبّد:
قال العواني: كان رحمه اللّه من المحزونين الخائفين، لا يكاد يتحدّث إلا بكى، غزير الدمعة، ما رأيت أكبر منه هيبة، ولا أشدّ من قلقه، ذا تهجّد واجتهاد، كثير الصلاة والصيام والقيام، صام حتى نحل وعلاه اصفرار وشحوب، أغلب أحواله الخوف والاستكانة. كثير الكدّ والجدّ، كسي وجهه وجسمه النور، له شواهد ظاهرة، ودلائل عجيبة، وأحوال صادقة. حسن الخلق، كثير البشاشة، بعيدا من الرّياء والتّصنّع، زاهدا في الجاه، كثير التواضع، لا يكاد من تواضعه يتميز عن غيره، ولا يرى لنفسه قدرا. صحب الشيخ جميل الحبيبي ولازمه، وأخذ عنه وبه انتفع، [و لازمه إلى أن مات] (2) وكان من أورع المشايخ وألزمهم لطريق المتقدمين.
قلت: ما ذكره من ملازمته له إلى أن مات، لأن الشّيخ حجّ وجاور إلى أن مات كما تقدم. وكان من شجعان العرب (3) ، فتاب على يدي الشيخ جميل المذكور، وأدّى ما عليه من المظالم، ومكّن نفسه من القصاص (4) ، فعرّفني من نثق
(1) سقط من: ت.
(2) سقط من: ط، والكتاب المحقّق طبعة تونس. الزيادة من: ت.
(3) المراد بالعرب هم أهل البادية، أما شجعانهم هم أصحاب الحرابة أي الذين يقطعون الطريق على النّاس لأخذ أموالهم وأمتعتهم، وحدّ هؤلاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وتصليبهم في الشمس حتى يموتوا. لما جاء في قوله تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (33) [المائدة: 33] .
(4) القصاص: الحدّ. لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى بِالْأُنْثى [البقرة: 178] .