معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، ص: 28
و كان من المتهجدين بالقرآن ليلا ونهارا؛ ولقد رأيته يتهجّد، وهو قد ناهز الثّمانين، قائما على قدميه، وربما يمر بالآية في تهجّده فيكررها إلى طائفة من الليل.
و كان يتناول شراء حوائجه بنفسه. ولم يزل في الجدّ والاجتهاد، حتى أتته منيّته على رأس التسعين من عمره، فتوفّي رحمه اللّه [في] (1) ظهر يوم الاثنين الثالث عشر من شهر ذي الحجة سنة 676 ه ودفن يوم الثلاثاء بمقربة من مسجد التوفيق. وتولّى الصلاة عليه ولده محمد في جمع لا يحصون، وكانت جنازته مشهودة. والثناء عليه جميلا نفعه اللّه به، وجعله عنوانا لما ادّخر له. وشهرته مغنية عن الإطناب في أوصافه.
و رثاه أبو العباس أحمد بن محمد بن الإمام [بقصيدة] (2) أولها:
أبى الدّهر إلّا أن يكون مفرّقا ... فلا تأخذن منه حياتك موثقا
يمر زمانا إن حلالك ساعة ... ويفسد بالتفريق ما أصلح اللقا
و يعزل إن ولّى ويكدّر (3) إن صفا ... ويمنع إن أعطى ويظمي إذا سقا
فكم من صحيح قد أتاح له الضنا ... ومن ذي نعيم قد أتاح له الشّقا
و كم من مسرات فصارت مآتما ... وكم غصص يوم التفرق ذوّقا
و كم من سليم في سرور وغبطة ... [بات] (4) سليما لا تسلّمه الرّقى
و من لأصول الفقه إن جاء سائل ... لقد كان نظار القد كان مفلقا
و من لأصول الدين يحيي دمارها (5) ... إذا سامها يوما بخيل مخرّقا (6)
و من لعلوم الفقه من بعد فقده ... لقد كان مبدوّا [كل ما انتقا (7) ]
و من بعد للآثار عند خصاصة ... لقد كان في كلّ الأحايين منفقا
و من بعد ذاك الحبر (8) للدين والدّنى ... لقد كان مثل الغيث يرجى ويتّقى
و من بعد للأخذ الجميل بديهة ... إذا أرعد الدهر الأخون فأبرقا
لقد كان زين القيروان وإنها ... لزين بلاد اللّه غربا ومشرقا
(1) زيادة من: ت.
(2) سقط من: ت.
(3) ت: ويدرك وهو تصحيف لكلمة «و يكدر» .
(4) ت: أيات، وفي ط: أبات.
(5) ت: دماؤها.
(6) ت: مبخرقا.
(7) ت: كان منتقا.
(8) ت: الجم.