معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 91
إلى دار المتكلم. ففعل، ويمين هذا الكفيف خرج منه على غلبة الظن لما يعلم من سخائه والأقرب عندي أنّه حانث. وذكر ابن حارث نحو ما تقدم فقال: أتاه رجل من أهل الباديّة فشكى إليه الإقلال فكتب له إلى أبي إبراهيم في ضيعته أن يدفع له خمسين قفيزا زيتا، فلمّا وصل إليه الكتاب ضجر (1) على الرجل وقال: إنا لم نعصر بعد وهو يبدأ بتفريقه ما عندي ما نعطيك فرجع الرجل إليه فأعلمه، فكتب له ادفع إليه مائة قفيز، واللّه لئن رجع إلي لأدفعنّ إليه غلّة العام أجمع.
ذكر محنته رحمه اللّه تعالى
كان رحمه اللّه امتحن بمحنتين محنة عند العزلة الأولى في ولاية سليمان بن عمران، فسجنه تسعة أشهر وأرسله، ولما عزل سليمان وتقدم ابن طالب ثانيا، هرب سليمان وتوارى نحوا من سنتين خوفا منه حتى أمر مناديا ينادي بأمانه، ثم بعد عزل ابن طالب وولي سليمان وكانت محنته الثانية بعد سليمان في ولاية ابن عبدون وذلك أنه نظر إلى ما فعل إبراهيم بن الأغلب من الفسوق والاستطالة على المسلمين، وإباحته للسّودان نساء إبيانه حين امتنع أهلها من بيعها، وقد أتت امرأة بفرعة ابنتها في ثوب فألقته بين يديه فترجع وقال: ما أراه يؤمن باللّه، أو هذا فعل الدّهرية، ولا يؤمن باللّه واليوم الآخر فبلغت الكلمة إلى إبراهيم وحقدها عليه، فأخذه وسجنه ومات في السجن فقيل إنّه بعث له رجالا ضربوه بركبهم في بطنه حتى مات. وقيل: إنّه سقاه سمّا فمات به. وهذا هو الصّواب لقول أحمد بن نصر البصري: رأيت ابن طالب في النوم بعد قتله فسألته فقال: وحق اللّه لقد أدخلت الجنة فقلت له: كيف كانت منيتك؟ فقال: سقاني الأمير شربة سقاه اللّه من صديد أهل النّار. توفي رحمة اللّه تعالى عليه (2) .
قال: سمع من سحنون.
قلت: زاد غيره وكان من كبار أصحابه وغلب عليه علم التصوف.
(1) ضجر: قلق.
(2) في الديباج أن وفاته كانت سنة تسع وستين ومائتين [269 ه] .
(3) ترجم له في: ترتيب المدارك 3/ 130 - 131 وسماه: «بإبراهيم بن طارق الأسدي» .