معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 5، ص: 48
تصدر الشيخ بوهاها للتدريس، كان ولا زال يدرس فيه إلى مرضه الذي مات فيه، وكذلك فإن الشيخ العلامة القاضي المدرس أبا الفلاح صالح الجودي درس فيه مدة كثيرة، وبحلقته جميع طلبة الوقت، ومن جملتهم محقق هذا، وكذلك أصلّي فيه التراويح مع أبي الفلاح الشيخ صالح الرّمّاح من سنة ثمانية وسبعين ومائتين وألف، إلى هذه السنة. تقبّل اللّه منّا، ومن جميع المسلمين الأعمال الصالحة ونفعنا ببركاته.
قال الحربي: أخبرني الرّجل الصّالح أبو عبد اللّه محمد ابن عائشة الغرابلي قال: كان الشيخ المذكور جدّي من قبل الأمّ، وكان نسّاجا، فبينما هو ذات يوم ينسج بسقيفة داره، إذ جاء على لسانه من نظم الشيخ الدمياطي:
وهب لي يا وهّاب علما وحكمة ... وللرّزق يا رزّاق كن لي مسهّلا
و كرر فإذا الحائط انشق، وخرج منه رجل وخلفه رجلان يحملان معلفا من أذنيه مملوءا بالذهب سكة، فسلّم ذلك الرجل الأول عليه وقال له: يا سيدي خذ هذا المعلف، والتفت إلى الرّجلين خلفه وقال لهما: قرّباه إليه ثم قال له: خذ هذا على جهة البركة، فأنا ابن سلطان الجنّ، وخديم الاسم الذي ذكرته، فامتنع من قبوله وقال له: لم أذكره بقصد الدنيا، وإنما ذكرت بقصد التبرك لا غير، فخذ ما جئت به وابعد علي، وإني لا أعود لذكر ما ذكرته فراوده على قبول المعلف أو شيء منه ولو يسيرا فلم يقبل منه شيئا بعد الإلحاح، ثم طلب منه قراءة الفاتحة والدعاء له بخير، فقرأ له الفاتحة ودعى له بخير، وانصرف هو ومن معه بما ذكر، ولم يأخذ الشيخ شيئا قال:
قلت: فهذا يدل على زهده في الدنيا، وكان رحمه اللّه ورعا، ومما يدل على ورعه ما حكاه لي حفيده المذكور قال: إذا تقطع له خيط من المسدية يربطه ويستحضر محله، فإذا وصل إليه بالنسج يجعل عليه نكتة من المغرى علامة أن به عيبا، وإذا دخل وقت العصر كل يوم يقص ما نسج في ذلك اليوم، كثر أم قلّ. ويبيعه بسوق العصر. قال:
قلت: ولم أقف على تاريخ وفاته، وقبره بوسط صحن داره الشرقية بربض الصفيحة تجاه جامع الزيتونة من بابه الغربي المفتح الكائن بداخل الربض المذكور رحمه اللّه تعالى. قلت: والعجب من الشيخ الحربي لما ذكر حفيده سيدي محمد ابن عائشة، كيف لا يترجم عليه والحال أنه من أكابر الأولياء ومات قبله.