معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 83
صحبة، فلما أخبر بموته بكى بكاء شديدا وقال: وا كشفتاه اليوم انكشفت، ولما خرج للصلاة عليه ازدحم الناس عليه يسألونه الدعاء ويسلّمون عليه حتى كاد أن يموت لكثرة ازدحامهم، فألزم نفسه أن لا يخرج من داره فلزمها حتى مات.
ذكر موته رحمه اللّه
قال: توفي يوم السبت للنصف من رمضان سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، وأوصى أن لا يعلم بخبره حتى تخرج جنازته، فلم يكن يصل إلى القبر إلا بعد المغرب بجهد جهيد، وسنّه ثمان وثمانون سنة ودفن بباب أبي الربيع.
قلت: وإنما أوصى بما ذكر لئلا يبعث له الأمير كفنا وحنوطا وهو لا يريد ذلك رحمه اللّه.
قال: كان من العلماء باللّه، العارفين به، ذا أمانة وصدق وتواضع مع فهم دقيق في القرآن، وإشارة لطيفة في (2) الحقيقة، وكان دينوري المغرب قال أبو عبد الرحمن محمد السّلمي في كتاب تاريخ الصوفية: أبو مالك الدباغ من أهل القيروان، صحب أبا سعيد الخراز، وكان أستاذه ولم يكن يطاوقه أحد في علم الحقيقة، وكان أبو محمد بن التّبّان يجلّه ويبجّله ويتحرّك له إذا أراد الانصراف، وكان يقول لأبي محمد: ما أتيتك إلا مودّعا؛ لأني قد بلغت أمنيتي من العمر أربعا وثمانين سنة وزاد عليها بعد ذلك ثلاثا، وكان الغالب عليه الإجلال، والتّعظيم للحق (3) تعالى، شاهده الوقار، والهيبة، وكان يتكلم على الحقيقة بشرط الاتباع والديانة، كلام عقل وصيانة. قال أبو سعيد خلف الزويلي: دخلت على أبي مالك الدّبّاغ وهو يجود بنفسه فقال لي قل:
و ما راعني إلّا الرّحيل وذكره ... وقد هتف الحادي سلام عليكم
فقلتها وعيناه تذرفان، ومات آخر نهار ذلك اليوم وذلك سنة إحدى وستين وثلاثمائة ودفن بباب نافع رحمة اللّه عليه.
(1) ترجم له في الرياض: 2/ 322 - 323.
(2) في ت: إلى.
(3) في ت: للّه.