معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 66
الوليد لدينه وفضله، وكان أيضا يتولّى الصّلاة والخطبة بالجامع الأعظم بالقيروان، وكان خطيبا بليغا ورجلا صالحا عدلا في أحكامه.
قلت: وتقدّم ما خطب به حيث حثّ النّاس على جهاد من كان بالمهدية وذلك يكفي في معرفته وفصاحته وكونه، لا تأخذه في اللّه لومة لائم.
قال: وكان أبوه رجلا صالحا، عدلا، إمام الجامع في زمان إبراهيم بن إبراهيم، توفي أبو إبراهيم سنة خمس وأربعين وثلاثمائة ودفن بباب سلم، وكان يلبس السّواد ويخضب (1) بالحنّاء.
قال: عمله الفقر إلى اللّه تعالى، والنّصيحة في ذات اللّه، وموت النّفس واستصغار الدنيا، ظهرت له إجابات وكرامات، انتقل من القيروان إلى مصر، فمات بها ودفن بالمقطم (3) ، وذلك سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، وكان سبب موته أنه سمع قارئا يقرأ آية الكرسي، فلم يزل يردّدها وهو يبكي حتى حمل إلى بيته ففاضت نفسه وقال ابن حبان: ما كنّا نظنّ إفريقية أخرجت مثل حجّاج في يقينه وثقته وتصحيح معاملته. وقال: شهدت حجاجا [و قد] (4) قدم بشاب وهو مريض يزحف من شدة العلّة، لا يستطيع القيام، فوقف عليه وقال له: من أين أنت يا شاب؟ قال: من مدينة القيروان اعتللت فأقعدت وأنا كما نرى في فاقة فمسح وجهه بطرف ردائه وقبّله بين عينيه ولحظ السماء بطرفه وقد بدرته عبرة وقال: إلهي ما عسى أن أصنع يا مصرّف الدّهور بمشيئته، ثم أشار حجاج إلى الشاب فقال له: جئني بقصبة فأتاه بها فقال للشاب المقعد: قم على رجليك؟ وأخذ بضبعيه فأقامه على رجليه وأعطاه دراهم كانت معه وقال له: امشي فمشى ونحن ننظر إليه وقال أبو جعفر بن القطّان:
إن حجّاجا قيل له في علته التي مات بها ما تشتهي؟ قال: اللّه، وخرجت روحه (5) فرأيته في المنام بعد موته فقلت له: يا أبا يوسف كيف حالك وعلى ما قدمت؟
فضحك وقال لي: ما الأمر الأسهل ما رأيت شيئا مما كنت أخافه بحمد اللّه، وقال
(1) خضب الشّي ء: لوّنه. انظر القاموس المحيط مادة: «خضب» ص: 76.
(2) في ت: الرقاق القيرواني من خيار عباد اللّه.
(3) في ت: بالمعظم.
(4) سقط من: ت.
(5) في ت: نفسه.