معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 5، ص: 47
قال الحربي: أخبرني من نثق به، أن رجلا من أهل القيروان ساكن بالدار الجوفية المواجهة للمسجد الذي به قبره، وعنده غرارة مملوءة طعاما بسقيفة الدار، فسرقت ليلا فجاء ذلك الرجل إلى قبر الشيخ وقال له: أنا جارك ولي حقّ الجوار، وعاري عليك كيف تسرق داري وأنت جاري؟ فلما نام بالليل وقف عليه في النوم وقال له: أنت تقول: أنا جارك وعاري عليك، كلامك مقبول، ولكن عندك كلب تطلقه كل ليلة في طريق المسلمين، أبطل إطلاق كلبك، وأنا أحرسك. وقال: لم أقف على تاريخ وفاته ومسجده المشار إليه هو الغربي المفتح بطرف فم زقاق نافذ قبلي المفتح إلى طريق شرقي موصل لمسجد اللوزي، والخضراوين وغربيه لمسجد الكتاني الذي بإزائه محراب في الطريق، وقبره بدخيلة في قبلة مسجده المذكور بحومة الجامع الأعظم. قلت: وقد سألت بعض أشياخنا ونحن في تدريس صحيح سيدي محمد البخاري رضي اللّه عنه عند ما جاء قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم: «لعن اللّه اليهود والنّصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مسجدا» (1) إلخ فسألته عن مثل قبر الشيخ كونه جاء في دخيلة من جهة القبلة تجاه المصلين هل فيه كراهة؟ فأجاب بأن النصارى يكون منهم هذا الدفن في كنائسهم ويقصدون بنيتهم عبادة القبور وأما مثل هذا الدفين، فإنه دفن بداره، ولعله أوصى ببناء مسجد بعده، أو هو بناه في حياته وهو في دخيلة زائدة على المسجد والمسلمون بفضل اللّه لا يخطر ببال فرد منهم، ملاحظة الشيخ في الصلاة، وإنما يلاحظون قيامهم بين يدي اللّه سبحانه وتعالى، أ لا ترى لما يدخلون في غير وقت الصلاة يقصدونه بالزيارة أو لا، ويتأخرون بمواضع أخرى، وعند إقامة الصلاة يتوجهون لحضرة ربّهم سبحانه. قلنا: وهذا الشيخ نفعنا اللّه به يجذب بأسراره المدرسين لقراءة العلم بمحله، ولقد كان الشيوخ الثلاثة أبو عبد اللّه شيخ المشايخ محمد بالفتح صدام أبقى اللّه وجوده، والشيخ أبو عبد اللّه محمد بوهاها، والشيخ أبو الحسن علي الحليوي، يدرسون بمسجده المذكور، وأول من
(1) أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، حديث (1330) من رواية عائشة رضي اللّه عنها، وأخرجه مسلم في الصحيح، في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المسجد على القبور، واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد، حديث (529) .