معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 5، ص: 122
قلت: كان فقيها، متعفّفا، موثّقا، ولي العدالة، فكانت كتابته متقنة، واستولى إمامة جامع الزيتونة بالقيروان، والخطبة، ولحقت جمعا من الفضلاء، يثنون عليه خيرا، وقلت: إنّ في ذلك الزّمان من يلي العدالة يكون له شأن كبير، فهي منصب عظيم، وما يتولاها في ذلك الوقت إلا الذي يكون متضلّعا بعلومها، مع أمانته وحفظ دينه. وفي هذا الوقت من يتولّاها من هو مثلي وأدنى مني، فترك التّحلية بها أولى في هذا الوقت وأحسن، وإن هذا الشيخ المترجم له، كان له أخ يسمّى جمعة وارتحل إلى تونس واستوطنها، ولا يخلو من الصلاح، وكنت والشيخ أخوه هذا المترجم له، مات بالقيروان ودفن بالجناح بجبانتهم ولا أعلم تاريخ وفاتهما رحمهما اللّه.
121 -الشيخ الصالح المؤدب أبو عبد اللّه محمد (بالفتح) بن عمر الحمامي القيرواني:
قلت: كان رحمه اللّه من الصّلحاء، وحجّ إلى بيت اللّه الحرام، واجتمع بالشيخ العارف المربي أبي الثناء محمود الكردي الخلوتي عام خمسة عشر ومائة وألف، وأخذ عليه الطريقة الخلوتية، ورجع إلى القيروان وخدمها باجتهاد إلى أن فتح اللّه عليه. وحدثني شيخنا الفاضل العالم العامل، أبو عبد اللّه سيدي محمد بوهاها، وكان قد قرأ عليه القرآن العظيم أنه حدثه المرحوم التّاجر، فرج قدوارة القيرواني قال: كنت اقترضت منه دراهم لشراء السّعي من الهمامة، فاشتريت بها جلبا منهم فلما بتنا بالسعي في محل مخوف، تشوشت تشويشا كثيرا، ولم يلم بجفني نوم قال: فبينما أنا كذلك، إذا الشيخ واقف مشيرا إلي لا تخف وارقد مطمئنا، فاستروحت بذلك، فلما قدمنا على السلامة بعت السّعي وربحت ربحا كثيرا، فأتيته بالدراهم، وحضّه من الفائدة. فأخذ رأس المال وأبى أن يأخذ الفائدة وقال له: خذ هذا دواء فجعتك، وإنما أوصيك بكتمان الأمر الذي رأيت تلك الليلة.
قلت: وهذا الشيخ بنى مسجدا بالرحبة، وأوقف عليه وقفا، وبعده إلى الآن لم يؤسس أحد في بناء مسجد بالقيروان، وتوفي رحمه اللّه في العشرة الثالثة بعد المائتين وألف، ودفن بحوطة الشيخ العارف المربي سيدي شقران الهمداني بوصية منه بذلك رحمه اللّه.