فهرس الكتاب
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 5، ص: 112
عالم عامل، له فضل ونبل، وله تقى، وخيرية واحتياط فيما يتقرب، وولي القضاء جبرا، من غير إشعار له بذلك. وحدثني من يوثق به، وعمدة في النّقل قال:
كان في حلقته بجامع الزيتونة بالقيروان يدرّس، وكان قاضي الوقت مات، وتسببوا في ولاية غيره، ووجهوا وثيقة فيه، فلمّا قرئت بين يدي المنعم المرحوم حمودة باشا، بن علي باشا، وكان عنده كاتب مكين من أهل القيروان، فاستشاره في هذا الغير وهو المشهود فيه فقال: لا وإنما يصلح للقضاء الشيخ عمر بو حديبة، ولكن أهل القيروان لا يرضون به. فقال له: لماذا؟ فقال له: لأنه يسكن في الربض، وسلفه ليسوا من أهل التقدم. فقال الباشا: هو الذي أوليه. فكتب ظهيره، ووجهه لكبير أهل الشّورى بالوقت وهو الشيخ أبو عبد اللّه محمد الطوير، فلمّا وصل إليه، وجده يدرّس في الجامع المذكور. فقال له: أقبل ما جاءك، وأعطاه الظهير. فلما رأى ذلك تفجّع وصار في حال كبير، ودعى على الشيخ بما يكره، خرج منه مخرج الغالب فقال لله الشيخ: واللّه ما تسببت فيك أنا ولا أحد من الفقهاء، وإنما الأمر كذا، وكذا، وقرر له ما كان، فقبله عن إكراه، ولما تصدّى للحكم أول ما بدأ به جيرانه أهل ربض بكارة سجنهم فقيل له وقتئذ: لم سجنتهم؟ فقال: لأنهم لا يورثون البنت، ثم إنه سار سيرة حسنة. اتفق على عدالته أهل القيروان بوقته. توفي في العشرة الثانية من الثالثة بعد الألف رحمه اللّه وإني أستغرب من الشيخ الحربي كيف لم يترجم له مع شهرته بين جميع الناس بوقته.
110 -أبو عبد اللّه محمد (بالفتح) بن عمر بن إبراهيم الزّبرقاني الهواري:
قال الحربي: هو جدّي للأمّ، كان رحمه اللّه تعالى رجلا فقيها عدلا موثّقا فرضيّا (1) ، وكتاباته تشهد له بذلك خيّرا، ورعا، صالحا، وكوشف على موته كما سيأتي، وكان منتصبا للإشهاد بين الناس، فإذا كتب رسما (2) وأبطأ صاحبه، ولم يأته، يجعله في قلنسوته ويذهب به لصاحبه لحانوته، أو إلى داره، فإذا رآه صاحب الرّسم يخجل ويقول له: يا سيدي لم أتعبت نفسك لو تركته حتى أتيتك؟ فيقول له:
و من أين لي حتى أنّي أعيش إلى الليل؟ خذ رسمك عندك، فالموت تأتي فجأة،
(1) نسبة لعلم الفرائض.
(2) رسما: أي وثيقة.