معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، ص: 37
لدكالة القراء يعزى وإنه ... لشمس الضّحى والبدر في الأفق يطلع
لقد كان لإسلام كهفا وملجأ ... تكفّ به عنا البلايا وتدفع
توفّته أملاك المهيمن طيبا ... مقيل له أعلى الجنان ومرتع
فيا فوز من صلّى عليه وزاره ... فبالفوز والغفران والخلد يطمع
قال العواني: كان من أعلام طريق الإرادة (1) ، أوحد أهل وقته في طريقته، وأعلاهم همة وأثحتهم (2) دينا، وأقواهم يقينا، زاهدا في الدنيا، منقبضا عن الناس، مائلا إلى الخمول. قد فاق في الزهد والورع أهل وقته. وكان العمل أملك به، مع حسن هدي، واستقامة طريق، وإظهار نسك، وصدق لهجة، وطيب أخلاق. وترك الدنيا، وأقبل على الآخرة والعبادة ومجانبة السّلطان. وكان من الورعين البكّاءين الخاشعين، على هدي السّلف الصّالح. في أخشن عيشة، يلبس الخشن من الصّوف، ويأكل من الشعير ما يسدّ جوعه مما يحدث بنفسه، يأخذ منه ما يقتات به ويتصدق بما فضل منه.
و لقد شاهدته في بعض السنين وقد أصاب زرعه برد ذهب بجميعه ولم يبق له منه ما يقتات به، فكان يخدم بالإجارة مع البنات (3) ، وخدم عندنا يوما مع البنّائين، فكان يجهد نفسه في الخدمة فيقول له والدي رحمه اللّه: ارفق [بنفسك] (4) ولا تكلّفها شططا في الخدمة، فيقول له: أنا أجير، ولا يسعني أن أترك من جهدي شيئا، فلما كان آخر النهار الذي يخدم فيه، دفع له مع أجرته عشرة دنانير وقال له:
يا سيدي خذ هذه وسّع بها على نفسك، فامتنع من قبولها ولم يأخذ إلا أجرته خاصة.
(1) جاء في الرسالة القشيرية أن الإرادة بدء طريق السالكين، وهي اسم لأول منزلة القاصدين إلى اللّه تعالى، وإنما سمّيت هذه الصفة إرادة، لأن الإرادة مقدّمة كل أمر، فما لم يرد العبد شيئا لم يفعله. الرسالة القشيرية ص: 201 دار الجيل ط II .
(2) كذا في ط، ت. ولا معنى لها في هذا القول، بينما في ت: ورد باللفظ التالي: «و أثحتهم دنيا» .
(3) ت وط: البنات.
(4) ساقط من: ت.