معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 5، ص: 177
هي عين الحياة، وصار كل يقلب كفيه على ما فات، وهو رحمه اللّه زاهد عابد، وفي جلّ ليله راكع ساجد، ولسانه لا يفتر عن ذكر اللّه سبحانه، وكان مكفوف البصر، مرافقا لقرينه الذي يشابهه في الفقه والحديث، ويزيد عليه هذا القرين بتوسّع العربية وهو:
و يدرس هذا أيضا بمسجد الشيخ المؤلف أبي الفضل قاسم بن ناجي الذي أسّست على تأليفه هذا التأليف، صاحب شرح التهذيب، والرسالة وغيرهما؛ وتدريس هذا الشيخ في المسجد المذكور في الفقه والنحو والوعظ وبه انتفعت رجال، فالأول سبق تاريخه للشيخ الحربي. والثاني توفي في ذي الحجة الحرام عام سبعين ومائتين وألف رحمهما اللّه.
186 -أبو عبد اللّه محمد بن أبي حفص عمر الصيد المناري خديم الزاوية الصحابية:
قلت في الديباجة فيه: شيخنا الذي بفنه عارف، وردة وقتنا السالف له نظم سلك فيه خير طريق، مقتفيا آثار ابن رشيق، ينظم المطولات، ويجيد، وله فيها الباع المديد، ومن حسن المعاني وتشييد المباني ولسان حال البلاغة يقول: هذا زماني تفرّع من أصل شامخ، وحسب باذخ. له رحلة إلى حضرة تونس في عنفوانه. وقرأ على مشايخ زمانه، ورجع للقيروان يتوقد ذكاء كذكاء إياس، فتأهلت ربوعها منه بالاستئناس، أخذت عليه بعض اصطلاحات القاموس، والخزرجية، وعلم البديع، وهو في الثلاثة بديع، وكان صدرت مني قصائد وموشحات، وعارضني بمثلها فأعرضت عن ذكرها لخروجي عن الغرض، وما يحدث من الشجون ثم إن هذا الشيخ له ديوان شعر كبير، وتكلم في كل الأغراض كثيرا وقصائده مطولات من الثلاثمائة بيت إلى ما دونها. مات وتركه في المسوّدات، وكان لما حججت أعطاني قصائد في سيّد البشر نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم، وأوصاني بأن أشرفها في التربة الشريفة، لعل أن يقبلها وإن شاء اللّه قبلها لأنها آخر قوله في الجناب العلي، وتوفي رحمه اللّه تلك السنة وهي عام ستة وستين ومائتين وألف رحمه اللّه.