معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 159
نزاع وخلاف ومراجعات في مسائل مشهورة نقلت عنهما. ولأبي القاسم كتاب كبير في الفقه نحو مائة وخمسين جزءا (1) .
قال: ولما عاد بعد رحلته من المشرق إلى القيروان ركب البحر هو وأبو عبد اللّه المالكي، فحين أشرفوا على مدينة صفاقس توفي أبو القاسم فأدخل المدينة فغسل وكفن وصلّى عليه في جميع كثير، ثم حمل إلى القيروان، فوصل إليها ليلة الخميس من صفر سنة ثمان وأربعمائة، وكانت وفاته ليلة الاثنين لستّ بقين من صفر سنة ثمان وأربعمائة ودفن في داره.
قلت: وداره هي اليوم خارج القيروان قبلتها، وليس معه أحد، وعلى قبره نور ما رأيته على قبر أحد رحمه اللّه تعالى.
قال: قرأ على أبي محمد بن أبي زيد، وزكرياء بن يحيى بن سلام جمع العلم، والزّهد، والقناعة، والنّزاهة، وكتم الفاقة وكان حافظا، وكان رأس ماله مقصّا بنصف درهم، وحلقة بربع، وإبرة بخرّوبة، وكان إذا خاط بدرهمين لا يخيط شيئا حتى ينفقهما في اثنين وثلاثين يوما، كل يوم خرّوبة، فإذا فرغ ذلك عاد فخاط كذلك بدرهمين، ولو قيل له تخيط ثوبا بمائة دينار، لم يفعل حتى تفرغ الدرهمان، وكان يدرس الشهر كله، وانصرف يوما من مجلس أبي محمد بن أبي زيد وعليه أطمار كأنّما نفشت (2) من القبور، فنظر إليه أبو محمد وإلى ثيابه وسأل عنه فقيل له:
و اللّه ما يلبس هذه إلا يتجمل بها في الميعاد، وأمّا ما يقطع به الأيام ففرو يساوي درهمين، فبعث إليه أبو محمد بن أبي زيد بصرّة فيها خمسون دينارا ذهبا فأبى أن يقبلها على شدّة فقره وحاجته. وقال: إنّما قوتي كل يوم خروبة آخذا بها خبزا تصب عليه الوالدة مرق بقل أو ما تيسر وتهيّأ رحمه اللّه تعالى.
(1) الخبر في ترتيب المدارك: 4/ 707.
(2) نفشت: نفش، نفشا، نقول نفّش القطن أو الصوف: شعّثه وفرقه.