معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 21
[حرمة المسلم ميتا كحرمته حيا]
قلت: أراد بقوله: اتخذ نوالا في المقبرة أي بقرب المقبرة، ولا يمكن حمل الكلام على ظاهره، لأنه لا يجوز ولا يخلّى وأراد بقوله: حفر حفرة كسّر فيها ساق ميّت أي حفر حفرة بقرب النّوال ليأخذ ترابا يصلحها به كما صرح به المالكي. وهو يعتقد أن ذلك المكان لا قبر فيه، إذ أصابت المسحاة ساق ميت فكسّرته في اثنين وإذا كان هكذا فلا شيء عليه في الدار الآخرة، لأنه خطأ، إلّا أن يكون بمقبرة من القبور جدا فتكون في معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلم: «الرّاتع حول الحما يوشك أن يقع فيه» (1) .
قال: ودخلت يوما على أبي جعفر بن أبي خالد بالقصر الكبير من المنستير قال: فقال لي: يا أبا عبد اللّه هات من رفائقك فأنشدته:
يا من أذاب فؤادي في محبّته ... وأضرم النّار في قلبي وأحشائي
ما إن ذكرتك إلّا كنت في كبدي ... بموضع الماء من قلبي وأعضائي
و لا ذكرتك في قوم أسرّ بهم ... إلّا وجدت لهيبا بين أحشائي
فقام أحمد بن أبي خالد يصيح وينوح، وقد أخذ بيده وقام معه وهو يقول:
هكذا قلوب المؤمنين! فلما قال قلت: يعني بإثر ذلك:
و لا هممت بشرب الماء من عطش ... إلّا وجدت خيالا منك في الماء
قلت: زاد غيره ووقع أحمد بن أبي خالد مغشيّا عليه ولم يبق في وجهه نقطة دم. وهذه الحكاية لو ذكرها الشيخ في فضل أحمد بن أبي خالد، كانت أحسن عندي واللّه أعلم. وتوفي في سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
قال: سمع من يحيى بن عمر، وعليه كان معوله، وابن طالب القاضي، وعبد الجبار بن خالد، وحماس بن مروان، وسعيد بن الحداد، وحمديس القطان،
(1) انظر الحديث بأتمه في صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما مشبّهات، حديث (2051) من رواية النعمان بن بشير. وأول الحديث: «الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهة ... » .
(2) ترجم له في الرياض: 2/ 283 - 292، طبقات الخشني ص: 300 رقم 173.