معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 209
لقيت الذي اشتريت منه الزيت فقال: لا تتصرف في ذلك الزيت، فقد ظهر لي أنه حرام! ومناقبه كثيرة. توفي رحمه اللّه قبل الثمانين وخمسمائة ودفن بإزاء البهلول بن راشد بوصيته بذلك، وقبره معلوم رحمة اللّه عليه.
قال: كان رحمه اللّه من أكابر الفقراء المجردين، وأفاضل الزاهدين، نزيه النفس، حسن الخلق، كثير البشاشة، بعيدا من الرّياء والتصنع، زاهدا في الجاه، كثير التواضع لا يكاد من تواضعه، يتميز عن غيره، وبلغ من زهده أنه كان لا يدّخر شيئا لغد، وإذا بات بلا عشاء ولا مصباح، يشتد فرحه ويكثر انبساطه، وكان شديد المبالغة في كتم الفاقة، وإن فتح له بشيء يصرفه للفقراء، وكان واحدا منهم، وربما أخذ منه القوت، وأعطى الباقي، قال لي الحاج أبو سعيد خلف الضراب: دخلت المغرب وديار مصر، والشام، والحجاز، والعراق، ولقيت مشايخ هذه البلاد فما رأيت أزهد في الدنيا والرئاسة من أبي سعيد ابن أبي شيخ.
و حكى: أبو زيد عبد الرحمن بن ثابت الصقلي قال: كان الشيخ أبو سعيد جارا لنا، وكنا نودّ أن ندخل عليه سرورا ورفقا، وكانت بالقيروان مجاعة شديدة ونحن في غاية السّعة، بحيث يحتاج إلينا جل أهل القيروان، وأبو سعيد في غاية الفاقة والضرورة، فما اطلعنا قط على حاله، بل كان يظهر لنا الكفاية لما يظهر عليه من البشر والسرور بحاله، وكان يعيش من المباحات كالبقول، وبزورها ويؤثر منها على المساكين، وما أظنه وجبت عليه زكاة الفطر قط، ولم يزل على فاقته حتى مات رحمة اللّه عليه، صحب الشيخ أبا زكرياء يحيى بن عوانة وأبا الحجاج يوسف بن حسون وانتفع بصحبتهما، وحجّ على التوكل والتجريد، وله كرامات كثيرة واطلاعات منها ما حكى لي أن رجلا من أهل القيروان يقال له: يخلف بن ثابت، اشترى زيتا من قفصة وجّهه إلى القيروان، فلما كان في الطريق عرض للقافلة خوف شديد من العرب، فنذر هذا الرجل في نفسه: إن سلمه اللّه أن يعطي للشيخ أبي سعيد قفيزا زيتا من زق، وكان أبلق فيه زيت طيب، فذهب عنهم الخوف، فلما وصل إلى داره أخذ قفيزا زيتا من غير ذلك الزق وحمله إلى الشيخ فلما رآه قال له: أ ليس قد نويت أن يكون هذا الزّيت من الزق الأبلق؟ فلم لم توف بنذرك؟