معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 210
و حكى: أن بعض أهل القيروان اكتال طعاما في شكارة (1) على أن يدفعه للشيخ أبي سعيد، فجعله في بيت وقفل عليه واشتغل عنه، فبينما هو يسير ذات يوم، لقيه الشيخ فقال له: أين الطعام الذي جعلته في الشكارة برسمي؟ فقال له: نعم ودفعه إليه. وفضائله كثيرة عمّر عمرا طويلا حتى أقعد، ومات رحمه اللّه بالقيروان سنة أربع عشرة وستمائة رحمة اللّه عليه.
قال: هو والدي رحمه اللّه، كان من كبار العبّاد، وأفاضل الزهاد، وأهل الجد والاجتهاد، كثير سرد الصوم والصلاة بالليل والناس نيام، مع حزن دائم، وخوف مقلق، وكثرة نحيب وبكاء، وملازمة الجوع والعطش، ساح في البلدان، وخرج عن الأوطان ولقي العباد والبدلاء والأوتاد. سمعت منه أنه قال: لقيت سبعين شيخا من شيوخ القوم آخرهم أبو مدين شعيب بن موسى الأندلسي، وأبو عبد اللّه الهواري، كان مولده في حدود الأربعين وخمسمائة، فلما بلغ عشرين سنة أخذ في سلوك طريق الإرادة ومنهج العبادة، ولم يزل في الجد والاجتهاد حتى مات، ولقد رأيته يتهجد وهو قد ناهز الثمانين حتى يسقط من طول القيام ثم يعود إلى القيام حتى الصباح، وكان يبكي حتى تقرحت عيناه، وربما يمرّ بالآية في تهجده فيكررها إلى طائفة من الليل، وكان في أكثر شهور رمضان يسدّ عليه الباب فلا يأكل ولا يشرب حتى إلى يوم الفطر.
قلت: محمله على أنه تصلي معه زوجته أو هي مع غيرها بصلاته، وعلى إنما المراد بالباب باب الدار، ليكون معه فيها بئر يتوضأ منها وما يزيل عنه الحدث واللّه تعالى أعلم.
قال: وكان من أشد الناس صبرا على الجوع، وكان مع هذا لا تأخذه في اللّه لومة لائم، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر على قلة أنصار الحق، وكان مع زهده في الدنيا أزهد الناس في الجاه وأكثرهم تواضعا للصغير والكبير، كثير الصّولة على أهل الظلم ولا سيما الولاة ما داهن أحدا قط، ولا شاب عمله برياء، ولا ادخر مالا، ولا سعى لطلب رئاسة، ولا آثر على اللّه أحدا من أهل ولا مال، وله مناقب
(1) شكارة: المحفظة.