معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 205
قال: ثم انقضت هذه الطبقة بعد الخمسمائة سنة ولم يبق بالقيروان من له اعتناء بتاريخ لاستيلاء مفسدي الإعراب على إفريقية وتخريبها وإجلاء أهلها عنها إلى سائر بلاد المسلمين، وذهاب الشرائع بعدم من ينصرها من الملوك، إلى أن منّ اللّه على الناس بظهور دولة الموحّدين (1) ، فوضحت بها معالم الدين، وسبل الحق، ورسوم الشرع، فظهر بظهورها بإفريقية العلماء والصلحاء وذلك في سنة الأخماس سنة خمس وخمسين وخمسمائة (2) واللّه تعالى أعلم.
قال: كان رحمه اللّه أوحد أهل زمانه زهدا، وعبادة، وورعا، وتواضعا، وسلامة صدر، وإخلاص في عبادة، كثير الاتباع للسّنّة وحفظ آداب الشريعة حتى كان يعد ألفاظه وألحاظه وحركاته من علمه، فيجتهد في إصلاحها وتتقينها على مقتضى الشرع، حدّثت عنه أنه كان لا يجلس مجلسا إلا وهو مستقبل القبلة، ولا يترك التيامن في عمل يعمله حتى في قتل الحبل وغيره، فإنه كان لا يفتله إلا على اليمين، حكي أن أبا يوسف يعقوب بن ثابت الدهماني قال له يوما: رأيت في المنام كان قائلا يقول لي: الشيخ أبو زكرياء على السّنّة في كل شيء إلا في شيء واحد! فقال له الشيخ أبو زكرياء: هو كوني إذا سلّمت من الصّلاة، لا أنحرف يمينا ولا شمالا لأني أكره أن أصرف وجهي عن القبلة! فقال له أبو يوسف: هو الذي قيل لي.
(1) عن الدولة الموحدية ومؤسسها المهدي بن تومرت المتوفى سنة 524 ه. انظر: كتاب الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى للشيخ أحمد بن خالد الناصري: 2/ 78 - 264، الأنيس المطرب بروض القرطاس ص: 217 - 363، نظم الجمان لابن القطان كتاب مستقل.
(2) الوارد في القرطاس: «ثم دخلت سنة أربع وخمسين (أي 554 ه) في شهر جمادى الأولى منها فتحت تونس وخطب بها لأمير المؤمنين عبد المؤمن، وبعدها بيسير كان فتح المهدية بعد حصارها سبعة أشهر، وفيها فتح عبد المؤمن جميع بلاد إفريقية كلّها ودخل أهلها في طاعته من برقة إلى تلمسان، ولم يبق لها بها منازع ... وقيل كان تملّك عبد المؤمن بن علي المهدية وفتحها يوم عاشوراء من سنة خمس وخمسين» ص: 260، كذا في البيان المغرب ص:
216، والاستقصاء ص: 139.
(3) له ترجمة جد مختصرة في شجرة النور الزكية 1/ 210 رقم 465.