معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 206
قلت: يحمله على أنه كان إماما بخلاف غيره.
قال: وكنت إذا نظرت إليه وإلى أحواله، كأنك تنظر إلى زهّاد التّابعين، لا يكاد يفتر لسانه من ذكر، أو قراءة قرآن، أو تعليم علم، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، ولا يصنع شيئا من الأشياء إلا وهو ذاكر للّه تعالى، طلب العلم واجتهد وسمع الحديث ورواه، [تدبر القيروان] (1) إلى أن مات بها، وكان من شدة تواضعه يسلم على الصبيان والإماء، ويبدأ كل من لقيه بالسلام، وكان كثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا تأخذه في اللّه لومة لائم، ولا يهاب أحدا في حق يقوله، ولا يترك شيئا مما يجب عليه فعله، أو يندب إليه من أجل أحد، وكان يأمر الصبيان بإماطة الأذى عن الطريق، وكان كثير الإشفاق في أمور الآخرة، غافلا عن أمور الدنيا، مخشوشنا في طعامه ولباسه، لا يأكل إلا الشعير، ولا يلبس إلا الخشن من الثياب. وأما ورعه فكثير؛ كان يناقش نفسه في حبّة شعير إذا سقطت في طعامه حتى يخرجها، وكان يسير إلى منزله في الشرف فيحمل منه المباحات على ظهره فيتقوت بها، وكان كثير الصيام، فربما أفطر على عشب ينبت في الجامع، ولقد كان انهرش له حائط في داره فمنعه الورع أن يرفعه من الأجر المنقول من خراب القيروان، وقال: لعل بعض أهله أو كلهم في الحياة، وكان مجاب الدعاء، وله كرامات كثيرة، منها ما أخبرنا به أبو عمران موسى بن عبد اللّه، بن محمد بن هارون القرشي، قال: أخبرني أبي عن جدّي، عن محمد بن هارون، وكان مؤذنا بجامع عقبة، قال: فتحت الصومعة لأذان الصبح فوجدت بها شيخا يصلي، فلما سمع حسي خفّف في صلاته، ثم صعد إلى أعلى الصومعة فتبعته لأني كنت أغلقتها من الليل وليس بها أحد، فلما قربت منه مشى على الهواء فقلت له: باللّه من تكون؟
و كررت القسم عليه، قال: أنا يحيى بن عوانة، فاكتم عني، فلما أذنت نزلت فوجدته قائما يصلي عند المحراب، وأخبرني غير واحد أن الأبدال كانوا يأتونه فيخرج معهم إلى خارج البلد فقيل ذلك لوالي القيروان أبي الربيع سليمان بن سعيد، فأمر من يرصدهم إذا اجتمعوا به، فأعلموه باجتماعهم، فخرج إليهم فلما قرب منهم حجبوا عنه وعن المتوكلين بهم، فجعلوا يطوفون بهم ويقولون هنا كانوا.
(1) كذا في الأصل، لأن كلمة «التدبر» بعيدة عن السياق. وفي ت مكان المعقوفتين ورد كلمة:
«القرآن» .